Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الإعلام الأمازيغي بين الحاجة إلى استقلالية قوية ورهانات التحول نحو صناعة التأثير

 بقلم عبدالله كويتا ،اعلامي ومنشط برامج.

جمعني نقاش مع عدد من الفاعلين الثقافيين والإعلاميين حول واقع الإعلام السمعي البصري الأمازيغي، وحول السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة اليوم: هل ما زال هذا الإعلام قادراً على صناعة التأثير في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة، وتنتقل فيه الثقافة من كونها تعبيراً رمزياً إلى منتَج قابل للاستثمار، فيما تختزل اللغات وتُقوْلب الذاكرة الجماعية داخل قوالب استهلاكية سريعة؟

لا خلاف على أن دعم القناة الثامنة مادياً ولوجيستيكياً وتقنياً ضرورة ملحّة. فالقناة تبذل مجهودات كبيرة وتشتغل بإمكانيات محدودة داخل إطار مؤسساتي رسمي، تفرضه طبيعة كونها قناة عمومية ملزمة بدفتر تحملات وطلبات عروض ورؤية استراتيجية تضبطها مؤسسات الوصاية. ورغم ذلك، تظل هذه القناة فضاءً لا يمكنه منفرداً احتضان كل ما تزخر به الثقافة الأمازيغية من تعابير فنية وإبداعية، ولا هذا التنوع اللساني والإنساني والجغرافي، ولا هذا العدد المتزايد من المواهب، من مخرجين وتقنيين وإعلاميين وشركات إنتاج يرغبون في الاشتغال بلغتهم وهويتهم.

إن الإشكال لم يعد تقنياً فقط، بل بات سؤالاً مرتبطاً ببنية التفكير الاستثماري لدى النخب الاقتصادية والسياسية الأمازيغية داخل المغرب وخارجه. ففي الوقت الذي نجحت فيه هذه النخب في اقتحام مجالات المال والأعمال وإثبات حضور عالمي لافت، يظل الحضور الإعلامي المستقل ضعيفاً، إن لم نقل غائباً.

فلماذا لا نرى قنوات أمازيغية فضائية قوية؟ ولماذا لا تظهر منصات رقمية كبرى ذات نفس طويل وقدرة على التأثير داخل المشهد الإقليمي والدولي؟

ولماذا لا تتجه الجهات إلى دعم مبادرات إعلامية مستقلة قادرة على الترويج للغاتنا وتراثنا ونجاحاتنا ومجالاتنا الطبيعية وأساليب عيشنا وقيمنا المجتمعية؟ أليس من دور الإعلام القوي أن يفتح النوافذ للعالم كي يكتشف هذا الغنى الثقافي الذي يشكل أحد أعمدة الهوية المغربية؟

إن الحاجة اليوم ليست إلى إعلام يكتفي بالدفاع أو استعادة ما مضى، بل إلى إعلام متجدد يعمل على تحويل الثقافة إلى قوة ناعمة، والهوية إلى رافعة للتنمية، والمجال الترابي إلى فضاء جذب واستثمار. إعلام يشتغل بذكاء وإبداع وحرية، يربط الماضي بالمستقبل، ويضع الثقافة في صلب صناعة القرار والتأثير، لا في الهامش ولا في خانة الفولكلور.

فالمغرب، في عمقه الحقيقي، غني بتعدديته وتفرده الثقافي وتنوع لغاته ومجالاته، وهذه القوة لا يجب أن تبقى خاماً غير مستثمر. بل ينبغي أن تتحول إلى مشاريع إعلامية حديثة تواكب التحولات وتُسهم في صناعة رأي عام واعٍ ومؤثر.

هذا النقاش مفتوح وسيظل كذلك ما دمنا نؤمن أن الثقافة ليست ترفاً، وأن الإعلام ليس مجرد شاشة عابرة، بل رؤية ومسؤولية ورسالة تُكتب بوعي وتُمارس بإرادة.

وحين نصل إلى قناعة بأن الإعلام الأمازيغي ليس مجرد مطالب ظرفية، بل مشروع استراتيجي مستقبلي، حينها فقط سنضع أولى لبنات إعلام مستقل قادر على التأثير وصناعة المركز بدل الدوران حوله.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.