Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

حين يتحوّل الفرح إلى قناع: أيّ معنى للمهرجانات وسط معاناة الناس؟

في مناطق يشتدّ فيها وقع الحاجة، وتثقل كاهل ساكنتها أعباء العيش اليومي، يطفو على السطح مشهد يبدو متناقضاً إلى حدّ الصدمة: مهرجانات غنائية صاخبة، وأضواء لامعة، وأصوات تعلو بالفرح، بينما خلف الستار واقع يئنّ من العطش والتهميش وغياب أبسط شروط الكرامة.

ليس الاعتراض على الفرح في حدّ ذاته، فالإنسان بطبعه يحتاج إلى لحظات يخفّف فيها عن نفسه وطأة الحياة، ويجد فيها متنفساً يعيد إليه شيئاً من التوازن. لكن الإشكال الحقيقي يطرح نفسه حين يتحوّل هذا الفرح إلى واجهة تُخفي اختلالات عميقة، أو إلى أولوية تُقدَّم على حساب الحاجات الأساسية للمواطن.

أيّ معنى لمهرجان تُصرف عليه الأموال، في وقتٍ يعاني فيه الناس من ندرة الماء؟ وأيّ رسالة تُوجَّه لساكنة تبحث عن مستوصف قريب، أو مدرسة لائقة، أو فرصة عمل تحفظ كرامتها؟ حين تُنفق الميزانيات على السهرات، بينما تبقى مطالب المواطنين معلّقة، يصبح الترفيه أقرب إلى تزيين للواقع بدل معالجته.

إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المنصّات الفنية، ولا بحجم الحفلات، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لأولويات الناس. فالماء، والصحة، والتعليم، والشغل، ليست مطالب ثانوية يمكن تأجيلها، بل هي أساس أي حديث عن كرامة الإنسان.

ثم إن أخطر ما في الأمر، هو حين يُستعمل الفرح كوسيلة لإلهاء الناس عن حقوقهم، أو لصرف الانتباه عن قضاياهم الحقيقية. فالشعوب قد تصبر، لكنها لا تقبل أن تُستغفل، ولا أن يُقدَّم لها الترفيه بديلاً عن العدالة الاجتماعية.

ليس المطلوب إلغاء المهرجانات أو محاربة الفن، بل إعادة ترتيب الأولويات بمنطق الحكمة والإنصاف. فحين يشعر المواطن بأن حقوقه الأساسية مصونة، وأن صوته مسموع، يصبح للغناء طعم مختلف، وتتحوّل المهرجانات إلى فضاءات حقيقية للاحتفاء بالحياة، لا للهروب منها.

فالفرح الحقيقي لا يُبنى فوق أنقاض المعاناة، بل يولد من رحم الكرامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.