Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

ملجأ الهويات التائهة: حين تتحول الترجمة إلى إعادة خلق إنساني

بقلم: حسن الوزان

في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشظى فيه الانتماءات، يأتينا كتاب “ملجأ الهويات التائهة” ليقترح قراءة مختلفة وعميقة لسؤال الهوية، لا بوصفها معطى جاهزًا، بل باعتبارها تجربة إنسانية مفتوحة على التحول والبحث الدائم. إنه نص يضع القارئ أمام مرآة الذات المعاصرة، تلك التي تعيش بين أمكنة متعددة، ولغات متداخلة، وذكريات لا تستقر.

الكتاب، الذي كتبه مجيد بلال وترجمه إلى العربية عبد العزيز كوكاس وسعيد رباعي، والصادر عن منشورات النورس سنة 2026، لا ينتمي إلى جنس أدبي واحد بقدر ما يتحرك في منطقة تداخل خصبة بين السيرة الذاتية والتأمل الإنساني والسرد الأدبي. وهو بذلك ينسج نصًا متعدد الأصوات، يعكس تعقيد التجربة الإنسانية في زمن الهجرة والاقتلاع.

منذ العنوان، تبرز استعارة “الملجأ” باعتبارها مفتاحًا دلاليًا لفهم العمل. فالملجأ هنا ليس مجرد فضاء مادي، بل حالة وجودية يلجأ إليها الإنسان حين تضيق به أسئلة الانتماء، وحين تتشظى هويته بين “هنا” و”هناك”. في عالم باتت فيه الحدود أكثر صلابة، والهجرة أكثر تعقيدًا، يتحول البحث عن الهوية إلى رحلة شاقة في أعماق الذات، حيث لا يقين ثابت ولا تعريف نهائي.

يقدّم الكتاب ستة وثلاثين نصًا تتنوع بين الحكاية والقصيدة والتأمل، ترصد تفاصيل دقيقة من حياة أفراد وجدوا أنفسهم معلقين بين ثقافتين أو أكثر. هي نصوص تستعيد الوطن كما يتشكل في الذاكرة، لا كما هو في الواقع، وتلامس الغربة بوصفها تجربة شعورية عميقة، تتجاوز مجرد الانتقال الجغرافي. من نظرة عابرة في محطة قطار، إلى لهجة مختلفة في شارع غريب، ومن ذاكرة طعام إلى جملة عابرة توقظ جرحًا قديمًا، تتجسد الهجرة هنا كحالة إنسانية مركبة، مليئة بالتوتر والحنين وإعادة الاكتشاف.

وفي تقديمه للعمل، يشير الكاتب محمد نضالي إلى غنى هذا المتن وتعدديته، حيث تتجاور فيه الأشكال التعبيرية المختلفة، من القصص ذات الطابع السيرذاتي إلى القصائد، ومن الحكايات الرمزية إلى التأملات والانطباعات، فضلًا عن حضور واضح للبعد الهوياتي، خاصة في ما يتعلق بالأمازيغية والوطن ومعنى “تامغربيت”.

ما يميز تجربة مجيد بلال هو لغته الأدبية الرفيعة، المكتوبة أصلاً بالفرنسية، والتي تتميز بكثافة شعرية وإيقاع خاص يجعل النص أقرب إلى الإنشاد منه إلى القراءة. لغة مشحونة بالصور، قادرة على ملامسة أعماق القارئ واستفزازه وجدانيًا وفكريًا في آن واحد.

غير أن القيمة المضافة الكبرى لهذا العمل تتجلى في الترجمة العربية التي أنجزها عبد العزيز كوكاس وسعيد رباعي، والتي لم تكتف بنقل النص، بل أعادت خلقه داخل أفق لغوي وثقافي جديد. إنها ترجمة تحافظ على روح النص الأصلي، وفي الوقت ذاته تمنحه نفسًا شعريًا عربيًا خاصًا، يجعل القارئ يشعر وكأنه أمام نص كُتب ابتداءً بهذه اللغة. هكذا تتحول الترجمة من فعل نقل إلى فعل إبداع، ومن جسر عبور إلى فضاء جديد للكتابة.

ينجح “ملجأ الهويات التائهة” في تقديم صورة مركبة للهويات المعاصرة، تلك التي لم تعد تقبل الاختزال أو التبسيط. إنها هويات هجينة، نعم، لكنها في الآن ذاته خصبة وقادرة على إعادة تشكيل نفسها باستمرار. هويات تحمل أكثر من ذاكرة، وأكثر من لغة، وأكثر من انتماء، دون أن تفقد قدرتها على البحث عن معنى.

هذا الكتاب لا يمنح القارئ أجوبة جاهزة، بل يتركه أمام سؤال مفتوح ومقلق في آن: هل الهوية ما نحمله معنا، أم ما نظل نبحث عنه طوال حياتنا؟ ربما تكمن أهمية هذا العمل تحديدًا في هذا السؤال، لأنه لا يتحدث فقط عن المهاجرين أو المنفيين، بل عن الإنسان المعاصر عمومًا؛ ذلك الكائن الذي يعيش في عالم سريع التغير، حيث تصبح الهوية رحلة مستمرة، لا محطة وصول.

إنه كتاب ضروري، لأنه يضعنا أمام حقيقتنا الهشة، ويمنحنا في الآن ذاته أفقًا للتأمل وإعادة التفكير في معنى أن نكون… هنا وهناك، في آن واحد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.