
بقلم النقراوي مولاي المصطفى
على مدى أكثر من عقد من الزمن، أصبح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يحتل موقعاً متزايداً في الخطاب المؤسساتي بالمغرب. ويُقدَّم هذا القطاع باعتباره رافعة للتنمية الشاملة، ووسيلة لخلق فرص الشغل، وآلية لتثمين الموارد المحلية. لذلك أصبح موضوع الاقتصاد الاجتماعي حاضراً بقوة في السياسات العمومية، وبرامج التعاون الدولي، والاستراتيجيات الترابية. غير أن هذا الخطاب الطموح يخفي وراءه واقعاً أكثر تعقيداً؛ إذ إن الاقتصاد الاجتماعي في المغرب ما يزال إلى حد كبير مشروعاً مؤسساتياً أكثر منه قطاعاً اقتصادياً مهيكلاً فعلياً و بعبارة أخرى، يعاني الاقتصاد الاجتماعي المغربي من مفارقة أساسية: فهو حاضر بقوة في الخطاب والمؤسسات، لكنه ضعيف في بنيته الاقتصادية وفي ممارساته العملية.
اقتصاد اجتماعي نشأ من الأعلى
في العديد من البلدان، نشأ الاقتصاد الاجتماعي تاريخياً من ديناميات شعبية ومجتمعية، مثل: التعاونيات العمالية و التعاضديات و الجمعيات التضامنية و المبادرات المجتمعية المحلية.
أما في المغرب، فقد اتخذ المسار شكلاً معكوساً إلى حد كبير. فقد تطور الاقتصاد الاجتماعي أساساً من خلال السياسات العمومية والبرامج المؤسساتية، مثل: برامج محاربة الفقر والهشاشة برامج التنمية الترابية آليات دعم إنشاء التعاونيات.
وقد أفرز هذا المسار ظاهرة مفارِقة تتمثل في: اقتصاد اجتماعي مُدار مؤسساتياً أكثر منه اقتصاداً اجتماعياً ذاتي التنظيم.وهكذا، فإن عدداً كبيراً من التعاونيات والجمعيات لم يُنشأ نتيجة مبادرات اقتصادية جماعية حقيقية، بل غالباً استجابةً لمتطلبات البرامج العمومية أو للاستفادة من آليات الدعم. الا نادرا وسرعان ما تحولت تلك الحالات الى شركات ربحية محضة ,
تضخم عدد التعاونيات: نمو إحصائي أم وهم اقتصادي؟
ساهم الإصلاح الذي جاءت به القانون 112-12 المتعلق بالتعاونيات في تسهيل إحداث التعاونيات، مما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عددها على الصعيد الوطني. غير أن هذا النمو الكمي يخفي في كثير من الأحيان هشاشة بنيوية، من أبرز مظاهرها: تعاونيات تُنشأ دون نموذج اقتصادي واضح اعتماد كبير على الإعانات والدعم العمومي ضعف القدرات التدبيرية والحكامة صعوبات في الولوج إلى الأسواق.
وفي العديد من المناطق القروية، أصبحت بعض التعاونيات تعمل أكثر بوصفها آليات للاستفادة من البرامج التنموية بدل أن تكون مؤسسات اقتصادية جماعية منتجة ومستدامة. ومن ثم، فإن ارتفاع عدد التعاونيات لا يعني بالضرورة بروز قطاع تعاوني اقتصادي قوي ومتين.
غياب إطار قانوني شامل للاقتصاد الاجتماعي
رغم المكانة التي يحتلها الاقتصاد الاجتماعي في السياسات العمومية، فإن المغرب لا يتوفر إلى اليوم على قانون إطار شامل ينظم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ويترتب عن هذا الفراغ التشريعي عدة إشكالات، منها: تشتت السياسات العمومية الموجهة للقطاع وغياب رؤية استراتيجية موحدة ثم صعوبة بناء قطاع اقتصادي واضح المعالم و غياب آليات تمويل خاصة بالابتكار والبحث العلمي الاجتماعي.
وبذلك يجد الاقتصاد الاجتماعي نفسه في وضعية مؤسساتية ملتبسة، تتقاطع فيها: السياسات الاجتماعية وبرامج التنمية الترابية والمبادرات الاقتصادية المحلية. وهذه الوضعية تحد من قدرته على التحول إلى ركيزة اقتصادية ثالثة إلى جانب القطاعين العام والخاص.
الاقتصاد الاجتماعي كأداة لتدبير الهشاشة الترابية
في الواقع العملي، غالباً ما يتم توظيف الاقتصاد الاجتماعي كوسيلة لتدبير الاختلالات الاجتماعية والمجالية. فهو يساهم في: امتصاص جزء من البطالة في الوسط القروي دعم الأنشطة المدرة للدخل على نطاق محدود تثمين المنتجات المحلية. غير أن هذه الوظيفة الاجتماعية قد تتحول بدورها إلى عائق. فعندما يُختزل دور الاقتصاد الاجتماعي في محاربة الفقر أو الإدماج الاجتماعي فقط، فإنه قد يبقى حبيس اقتصاد معيشي محدود بدل أن يتطور إلى نموذج إنتاجي بديل وقادر على المنافسة.
تكاثر الشبكات والمنصات: بين التمثيلية والتشتت
شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة ظهور عدد من الشبكات والمنصات التي تسعى إلى تمثيل الفاعلين في مجال الاقتصاد الاجتماعي. غير أن هذه المبادرات تواجه عدة تحديات، من بينها: محدودية التمثيلية في بعض الأحيان ضعف التجذر في الأقاليم والجهات الاعتماد على تمويلات المشاريع صعوبة التأثير الحقيقي في السياسات العمومية. وهكذا يتشكل مشهد مؤسساتي يتسم بتعدد الشبكات والمنصات والبرامج، دون أن يواكبه دائماً بناء قطاع اقتصادي متماسك ومستدام.
خطر اقتصاد اجتماعي شكلي
في هذا السياق، يبرز خطر أساسي يتمثل في احتمال تحول الاقتصاد الاجتماعي إلى واجهة مؤسساتية أكثر منه واقعاً اقتصادياً تحولياً. فقد يُستعمل هذا المفهوم أحياناً من أجل: تزيين السياسات التنموية وتسويق البرامج العمومية وإنتاج مؤشرات نجاح شكلية. لكن من دون إصلاحات بنيوية عميقة، قد تبقى هذه المبادرات محدودة الأثر أو ذات طابع رمزي .
نحو إعادة تأسيس الاقتصاد الاجتماعي في المغرب
إذا كان للاقتصاد الاجتماعي أن يؤدي دوراً حقيقياً في التنمية، فإن ذلك يقتضي إطلاق عدد من الأوراش الإصلاحية الأساسية، من بينها واهمها : اعتماد قانون إطار وطني للاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية للتعاونيات و تطوير آليات تمويل ملائمة وتقوية قدرات الحكامة والتدبير داخل التنظيمات وتشجيع ديناميات التعاون الترابي الحقيقي. ومن دون هذه الإصلاحات، سيظل الاقتصاد الاجتماعي معرضاً لأن يبقى مشروعاً مؤسساتياً جذاباً على مستوى الخطاب، لكنه هش على المستوى الاقتصادي.
وهكذا يقف الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في المغرب اليوم عند مفترق طرق. فإما أن يستمر في مسار المأسسة الإدارية والخطابية التي تغذيها البرامج والسياسات العمومية، أو أن ينخرط في تحول بنيوي عميق يفضي إلى بناء قطاع تعاوني مستقل، مبتكر، ومتجذر في المجالات الترابية.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتمثل في ضرورة وجود الاقتصاد الاجتماعي، بل في: هل المغرب مستعد للانتقال من خطاب الاقتصاد الاجتماعي إلى بناء نموذج اقتصادي تعاوني حقيقي ومستدام؟