
ابراهيم وزيد:20 عام من الصحافة.. رحلتي من الصحافة الى الإعلام الجديد (1 )
بعد سنوات من الإبحار الشاق في عالم الصحافة، والسباحة في الحبر الأسود، تعود بي الذاكرة الى الوراء، وأنا أنبش في أرشيفي من منشوراتي بالصحف الوطنية، فضلا عن أرشيف المطبوعات التي نشرتها على شكل جرائد ومجلات، لما تمردت على صفة “مراسل”.. أرشيف يعود الى نهاية التسعينيات من القرن العشرين، قبل الأنترنت والفايسبوك والعالم الرقمي.. استغرقت في تأمل عميق، فتذكرت تلك السنوات البعيدة حيث كانت الكتابة والنشر صعبين، وخاضعين لشروط عديدة، لم يكن النشر متاحا للمبتدئين سوى في ملحق الشباب في يومية “لوبنيون” الفرنكفونية، كل ثلاثاء وخميس، أو في ركن ضيق بصفحة “بريد القراء” بالجرائد الحزبية.. ورغم سلبيات ذلك، فقد كان للمكتوب والنشر وزن وتأثير ووقع أكبر. قررت أن أعود الى الوراء، لأتحدث بالصدق اللازم عن تجربتي الإعلامية المتواضعة كرئيس تحرير ب”أخبار الجنوب”، مرورا عبر باقي التجارب الإعلامية التي عشتها كمراسل صحفي، لأن كل حدث مرت عليه عشرون سنة يعد تاريخا حسب المؤرخين..
الإعلام رسالة نبيلة شاقة بدأت بالحمام الزاجل فالخيول المدربة فالبرق فالرسالة فالجرائد فالمجلات فالمذياع والتلفزة الأرضية ثم الفضائية فالانترنيت والشبكات الاجتماعية وما زال صداها يتوسع.. وهكذا يشمل مصطلح الإعلام كل وسائل البث المكثف للمعلومات: إﺫاعة، تلفزة، انترنيت، السينما، الاشهار، الملصقات.. في حين يقتصر مصطلح “الصحافة” على الحوامل المكتوبة لبث المعلومات مثل: الجرائد والمجلات وفق معجم “لوروبير”.. ويطلق نعت “صحفي” على من يمارس النشاط الأخير.. ويبدو أن لفظ “صحفي” كان له معنى مغاير قديما، حيث أطلقت المفردة في العصر الوسيط، على “من يأخذ العلم من الكتب فقط، ولم يلق الشيوخ ومنها جاءت كلمة التصحيف..”[1] فالقدماء كانوا يرفعون من قيمة الحفظ والاستظهار، فاشتهرت عندهم عدة مقولات منها: “العلم ما حوته الصدور لا السطور”..[2]
صحافيون مهنيون وصحافة غير مهنية !
في هذه الأيام، وإن كنا في أوج طفرة الإعلام الرقمي، فقد جفت الصحف المستقلة ورفعت الأقلام النزيهة، وكثرت الميكروفونات المنمقة وقل الصحافيون الحقيقيون واضمحلت الجدية في الصحافة وطغى التسطيح في معالجة القضايا والأحداث.. أمسك هاتفي، أتجوّل في مواقع التواصل الاجتماعي، وأقلب بين الصفحات هنا وهناك، أراقب ما تعرضه لنا تلك المواقع عنوة، تشاهد مقاطع بودكاست podcast وترى سلسلة طويلة من الأسئلة السطحية تعكس مستوى الرداءة، الذي وصل إليه بعض هواة السبق الصحفي أو متصيّدي “الترند”، وأولئك الذين يسعون للشهرة بأي طريقة كانت. البودكاست، وكأي وسيلة إعلامية الآن، لا يعكس واقعنا، ولا يلبي احتياجات الجمهور، خاصة بعد الاعتماد المتزايد على بعض مؤثري وسائل التواصل.. ما يحزنني هو أن هذه المنصة التي يفترض بها أن تكون مبتكرة ومميزة، أصبحت عرضة للاستهلاك والاستغلال والتقليد السطحي، فقد أصبح من السهل الآن أن تقدم نفسك كمحاور، كل ما تحتاجه هو ميكروفون، وضيف يجلس أمامك ويسرد لك ولنا بالساعات قصصًا عن حياته، قد يكون نصفها غير حقيقي، ناهيك عن آرائه الشخصية التي تفتقر إلى العمق والتحليل، كما لا ننسى التقليد الأعمى لبرامج بعينها دون أي ابتكار أو تجديد. الفضول فحسب، بل أيضًا في أن حياتهم وحتى أحزانهم أصبحت أقرب لمادة ترفيهية يجد البعض فيها نوعًا من التسلية، والهروب من الواقع وأخبار القتل إلى فضاء فيه مجموعة من الذين وجدوا أن المحتوى الوحيد، الذي يجيدونه هو إثارة الجدل، حتى وإن كان ذلك على حساب خصوصياتهم وحياتهم الشخصية.
ننظر لنوعية البرامج التي أصبحت تُطرح وتُموّل بالملايين في وسائل الإعلام، فلا نجد سوى ما يمكن أن نصفه بالضجيج العابر. قنوات الإعلام تلهث وراء الأرقام هي أيضًا، أصبحت توظّف الأقل كفاءة، حتى إنها أصبحت تقع في فخّ تقديم برامج لا تحترم عقل المشاهد.. غدت نسب التفاعل والسعي نحو الربح المادي هي الجوهر على حساب جودة المحتوى وقيمته؟! برامج تنحدر بمستوى الإعلام إلى درك من الركاكة والسطحية، ما سيجعلنا نفقد الأمل للأبد في رؤية إعلام قادر على تقديم محتوى ثريّ وملهم.
لم تعد الصحافة هي تدفق المعلومات والأسلوب الرشيق والتوازن والحرص على نشر جميع وجهات النظر والوقائع، هيمنت مدرسة “كولومبيا” التي تختزل الصحافة في الإثارة الرخيصة، الإثارة تلخص في جملة واحدة هي: “صاحت الملكة قائلة يا إلهي الأميرة حامل ! من الـﺫي فعلها؟ الصحفي/المثقف الـﺫي يمتلك القدرة على الكتابة والتحليل، لم يعد موجودا. الصحافة الوطنية لم تعد توظف صحافيين يكتبون، لأن النصوص تكشف مستوى أصحابها، بل شباب في سن صغيرة يحملون الميكروفونات الملونة لاقتناص التصريحات المثيرة، والكاميرات الرقمية لتأطير المشهد بالصوت والصورة..
معظم المنابر الموجودة في الساحة الإعلامية، تنتمي الى ما يسمى “الصحافة الصفراء” أو الصحافة الفاضحة وهي صحافة غير مهنية تهدف إلى إثارة الرأي العام لزيادة عدد المشاهدات وإشاعة الفضائح مستخدمة المبالغة أو الانحياز.. ينسب انشاء “الصحافة الصفراء” الى الناشر والصحفي الأمريكي ويليام راندولف هيرست (1863- 1951)، الـﺫي أطلق منبرا في كل ناحية من نواحي الولايات المتحدة الأمريكية..
لم يتغير شيء في الساحة الإعلامية المغربية، بعد تأسيس هيئة ممثلة للصحفيين سميت باسم: “المجلس الوطني للصحافة”، ومنحت رئاسته على طبق من فضة الى “صحافي” لا يكتب شيئا، لدرجة يمكن أن تجد إبرة في كومة من التبن ولن تجد مقالا مذيلا باسمه، صحفي يساري لم يخجل من الترشح وحيدا لمنصب رئيس هيئة الصحفيين!. لم تغير الهيئة الضابطة أي شيء على أرض الواقع، فاكتفت بتوزيع البطائق على الممارسين ممن يستوفون شروط “الصحافي المهني”، تمييزا لهم عن “الصحافي المنتسب” وهم المراسلين الصحافيين بالنسبة للصحافة المكتوبة والإلكترونية والمتعاونون الخارجيون بالنسبة للإعلام السمعي البصري.. الصحافي المهني ليس بطاقة بلاستيكية، يتعين تجديدها سنويا كأنها بوليصة تأمين، أغلبهم بدون تكوين ولا عمق فكري ولا أيديولوجي ولا سياسي، يتبعون قانون الجهد الأقل مع التركيز على ما يستقطب التفاعل من الجمهور، بحكم القواعد الجديدة التي فرضتها لوغاريتميات العالم الرقمي، أكثر من البحث عن الحقيقة العارية ولو اقتضى الأمر الدوس على أخلاقيات المهنة كما ورثناها في الصحافة المكتوبة والإعلام السمعي البصري.. البطاقة المهنية لا تصنع صحفيا لامعا.. أعرف من حصل عليها بفضل هدايا غذائية من زيت الأرگان وعسل الزعتر وعجينة “أملو”.. صدق من قال آفة الأخبار رواتها[3].. سابقا كانت الصحافة مهنية وملتزمة وإن كان الصحفيون غير مهنيون، وحاليا انقلبت الموازين فصار الصحفيون مهنيون لكن الصحافة غير مهنية…
لم يعد يخفى على أحد أن الإعلام يمر بحالة فوضى جعلته يفقد بوصلته الحقيقية التي وُجد من أجلها، في ظل هﺫا الوضع الشاﺫ، أصبح الجميع يحن الى زمن كانت الكتابة الصحفية جسرا من جسور الوجاهة، فقد كان منصب وزير الأنباء والإعلام محجوز للصحافيين على الدوام.. على الإعلام أن يتحلّى بالشجاعة، ويتوقف عن منح الفرص لأصحاب التسلية العابرة من المؤثرين، وأن يستثمر بدلًا من ذلك في أصحاب الشهادات والخبرات الحقيقية..