Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

في ذكرى 20 غشت… أبطالٌ مرّوا من هنا، وذاكرةٌ تأبى النسيان  

بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، 20 غشت، نستحضر بكل اعتزاز وتقدير أسماء رجال ونساء مرّوا من هذه الأرض، وعاشوا زمن المقاومة، وحملوا همّ الوطن في واحدة من أكثر مراحل تاريخه الحديث قسوةً وتحديًا.

وفي هذه المناسبة، نستحضر سيرة الشهيد سي محمد بن أحمد نايت واكريم (1934–1890)، ابن أمي نتيزخت بأفلا واسيف، الذي قادته رحلة حياته من الكُتّاب وحفظ القرآن، إلى الهجرة والتجارة بطنجة وفرنسا، ثم العودة إلى أرض الوطن والانخراط في المقاومة المسلحة، قبل أن يرتقي شهيدًا في معركة آيت عبد الله سنة 1934.

ونستحضر كذلك المجاهد محمد بوزرك، أحد أبناء المنطقة الذين ارتبط اسمهم بالمقاومة ومعركة آيت عبد الله، وظلت سيرته، بما تحمله من تفاصيل وتضحيات، حاضرة في الذاكرة المحلية، في انتظار مزيد من التوثيق والإنصاف التاريخي.

وفي البداية نتقاسم سيرة المقاوم عبد الله النقراوي(1912–1994)، وغيره من أبناء المنطقة الذين اختاروا طريق المقاومة، وقدموا من أجل الوطن ما استطاعوا من جهد وتضحيات، دون أن تحظى أسماؤهم دائمًا بالمكانة التي تستحقها في الكتابة التاريخية.

إن استحضار هؤلاء الأبطال لا يراد منه صناعة ذاكرة انتقائية، ولا الوقوف عند أسماء محددة، وإنما هو مدخل لإعادة اكتشاف سجل طويل من المقاومة المحلية، يضم رجالًا ونساءً وأسرًا وقبائل ومناطق شاركت، كل من موقعه، في مواجهة الاستعمار والدفاع عن الأرض والكرامة. فهؤلاء الأبطال لم يكونوا مجرد أسماء في روايات الأجداد؛ لقد كانوا أبناء المكان نفسه: مشوا في مسالكه، وعاشوا في دواويره، وصلّوا في مساجده، واشتغلوا في حقوله وأسواقه، ثم حملوا همّ الوطن عندما دعت الضرورة إلى ذلك.

ولهذا فإن الأرض التي عاشوا فوقها ليست مجرد فضاء جغرافي؛ إنها جغرافيتنا الثقافية الحيّة. فالجبال والمسالك والقرى والمداشر والقبور والمواقع التي ارتبطت بالمقاومة تحمل بصمات من مروا منها، وتختزن حكايات الإنسان والمكان، وتشكل في مجموعها أرشيفًا مفتوحًا للذاكرة الجماعية.

ومن هنا تأتي أهمية توثيق سيرة الشهيد سي محمد بن أحمد نايت واكريم، ومحمد بوزرك، وعبد الله النقراوي، وغيرهم من المقاومين، وجمع ما تبقى من شهادات حولهم، والبحث عن الوثائق والصور والمراسلات والسجلات، وربط الرواية الشفوية بالمصادر التاريخية والأرشيفية.

فالتاريخ لا يُكتب فقط من خلال الوثائق الرسمية؛ بل يُكتب أيضًا من خلال شهادات الذين عاشوا الأحداث، وذاكرة الأسر، وأسماء الأماكن، والقبور، والآثار التي تركها المقاومون وراءهم. غير أن الذاكرة، مهما كانت غنية، تظل معرضة للنسيان والتحول، ولذلك فإن مسؤوليتنا اليوم هي تحويلها إلى مادة موثقة قابلة للحفظ والدراسة والتداول والنقل إلى الأجيال القادمة.

إن 20غشت ليست مجرد ذكرى وطنية نستعيدها كل عام، وإنما مناسبة لإعادة طرح سؤال الذاكرة: من هم الأبطال الذين مروا من هنا؟ وأين آثارهم؟ ومن يوثق أسماءهم؟ ومن ينقل قصصهم إلى أبنائنا؟ إنصاف هؤلاء لا يكون فقط بتكريم أسمائهم في المناسبات، وإنما بإعادة إدماجهم في التاريخ الوطني للمقاومة المغربية، والاعتراف بأن تاريخ الوطن صُنع أيضًا في القرى والجبال والدواوير، وبأيدي رجال بسطاء لم يبحثوا عن الشهرة، وإنما أدوا واجبهم تجاه وطنهم ثم مضوا.

لنكتب تاريخنا بأيدينا، ولنستخرج أبطالنا من ظلال النسيان، ولنحفظ ذاكرة أجيالنا للأجيال القادمة.فـالتاريخ لا يُكتب إلا بمن عاشوه، والذاكرة إن لم تُصن تندثر.وفي ذكرى 20 غشت، نقول لأبطالنا الذين مروا من هنا:

لن ننساكم… سنبحث عن آثاركم، ونروي سيركم، ونوثق تضحياتكم، حتى تبقى أسماؤكم حاضرة في ذاكرة المكان والوطن. أسماء متعددة، لكن الذاكرة واحدة، والوطن واحد، والتضحية واحدة.

اللهم اجزِ شهداء الوطن والمقاومين خير الجزاء، واحفظ ذكراهم في ذاكرة الأجيال، واجعل تضحياتهم منارةً للأجيال القادمة.

المجد للشهداء، والوفاء للمقاومين، والخلود لذاكرة الوطن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.