
هل تعرف جماعة تيزنيت حقاً غرونوبل؟
بقلم سعيد رحم، فاعل مدني مهتم بقضايا البيئة والتهيئة الحضرية والتنمية المحلية.
في الوقت الذي يوجد فيه رئيس جماعة تيزنيت وأعضاء من مجلسه بمدينة غرونوبل الفرنسية في زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات متعددة، من بينها الانتقال البيئي والتنقلات الناعمة وتخضير الفضاءات العمومية، تتزامن هذه الزيارة مع واقعة اقتلاع أشجار بشارع الحسن الثاني، أحد أهم شوارع المدينة وأكثرها رمزية.
هذا التزامن يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى جدية الاستفادة من التجارب الناجحة التي يفترض أن تشكل جوهر برامج التعاون الدولي، وحول القيمة المضافة الفعلية لهذه الزيارات الممولة من المال العام. فبينما يجري الحديث في غرونوبل عن البيئة والاستدامة وجودة الحياة الحضرية، تستيقظ ساكنة تيزنيت على مشهد اقتلاع أشجار كانت جزءاً من المشهد اليومي ومن ذاكرة المكان.
وتبرر الجماعة قرارها بكون المشروع يندرج ضمن تهيئة ممرات للدراجات الهوائية بمواصفات تقنية محددة ومسارات متواصلة، وأن الأشجار الموجودة كانت تشكل عائقاً أمام إنجاز هذه الممرات. غير أن هذا التبرير يعيد طرح سؤال جوهري: هل كانت عملية الاقتلاع هي الحل الوحيد الممكن؟
فالشجرة ليست مجرد عنصر نباتي يمكن تعويضه متى شئنا، بل هي جزء من التراث الحضري والذاكرة الجماعية، ووسيلة أساسية للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية، ومكون رئيسي من مكونات جودة الحياة داخل المدن. ولهذا السبب وضعت غرونوبل، المدينة الشريكة لتيزنيت، ما يعرف بـ”ميثاق الشجرة”، ليس كشعار دعائي، بل كمرجع عملي لتدبير الرصيد الشجري وحمايته وإدماجه في مختلف مشاريع التهيئة.
وعندما اختارت غرونوبل تطوير شبكة واسعة من مسارات الدراجات، لم تعتبر الأشجار عقبة يجب التخلص منها، بل عنصراً ينبغي التفاوض معه ضمن التصميم الحضري. ففي العديد من الحالات تمت دراسة بدائل مختلفة تحافظ على الأشجار القائمة، عبر تعديل مسارات الممرات أو تغيير عرضها أو إعادة توزيع الفضاء العمومي بطريقة تحقق التوازن بين متطلبات التنقل وحماية المكونات البيئية.
وهنا يحق لساكنة تيزنيت أن تتساءل:
هل تمت دراسة بدائل حقيقية قبل اتخاذ قرار الاقتلاع؟
هل كان ممكناً الالتفاف حول الأشجار بدل إزالتها؟
هل تمت مناقشة خيار تحويلها إلى جزر نباتية مدمجة داخل المشروع؟
هل تم التفكير في تعديل عرض الممر أو إعادة توزيع الفضاء بين الراجلين والدراجات والسيارات؟
وهل جرى استحضار القيمة البيئية والجمالية والاجتماعية لهذه الأشجار ضمن الدراسات المنجزة؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً ولا معارضة مجانية للمشاريع، بل هي جوهر التخطيط الحضري الحديث. فالمشكلة ليست في إنجاز ممرات للدراجات، بل في الطريقة التي يتم بها إنجازها. المدن التي نجحت في الانتقال نحو تنقل أكثر استدامة لم تضع البيئة في مواجهة البيئة، ولم تجعل المساحات الخضراء ضحية لمشاريع يفترض أنها صديقة للبيئة أصلاً.
إن الممر الجيد للدراجات ليس مجرد خط مرسوم فوق الإسفلت أو الرصيف، بل فضاء آمن ومريح وإنساني ومظلل. أما الممر الذي يمر فوق أنقاض الأشجار التي كانت تمنح المكان روحه وهويته، فقد يكون سليماً من الناحية التقنية، لكنه يظل فقيراً من الناحية الحضرية.
وتبقى القضية الأعمق مرتبطة بجودة الدراسات وكفاءة التصور الحضري. فكلما غابت الرؤية الإبداعية في التخطيط، سادت الحلول السهلة التي تفضل إزالة الموجود بدل البحث عن كيفية دمجه. لذلك يصبح من المشروع التساؤل عن مستوى الخبرة والتتبع والتصميم الذي رافق هذا المشروع، وعن دور المختصين في الهندسة الحضرية وهندسة المناظر الطبيعية في اقتراح حلول أكثر ذكاءً وتوازناً.
إن زيارة غرونوبل لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد محطة بروتوكولية أو تمرين في العلاقات العامة، بل إلى فرصة حقيقية للفهم والتعلم ونقل الممارسات الفضلى. فالتعاون الدولي لا يقاس بعدد الصور واللقاءات، بل بمدى انعكاسه على القرارات المحلية وعلى جودة المشاريع المنجزة على أرض الواقع.
الشجرة التي اقتُلعت من شارع الحسن الثاني لم تكن مجرد نبات، بل كانت جزءاً من روح المكان. والمدن التي تفهم معنى التهيئة المستدامة لا تضع التنقل الناعم في مواجهة الأشجار والمساحات الخضراء، بل تجعل منهما عنصرين متكاملين في مشروع حضري واحد.