
هل تحول قطب المواكبة والتعاون الترابي (PACT)بتيزنيت الى مشروع سياسوي ؟
متابعة اتيك ميديا
في عالم التنمية الترابية، لا تُقاس قيمة المشاريع بعدد الاجتماعات ولا بحجم التمويلات، وإنما بقدرتها على بناء الثقة، وصيانة التراكم، واحترام الجهود الجماعية التي صنعت الفكرة منذ بدايتها. وعندما تُختزل المشاريع الجماعية في مبادرات مرتبطة بموازين القوى أو بحسابات سياسية ظرفية، فإنها تفقد تدريجياً مشروعيتها المجتمعية، حتى وإن احتفظت بمظهرها المؤسساتي.
هذا السؤال يفرض نفسه اليوم بقوة مع مشروع القطب الترابي للتعاون الاقتصادي والاجتماعي بإقليم تزنيت، الذي كان يفترض أن يكون فضاءً جامعاً لكل الديناميات الترابية، فإذا به يثير نقاشاً حول طبيعة حكامته، ومدى انفتاحه على الفاعلين الذين ساهموا في بلورة الرؤية منذ سنوات.
من مشروع ترابي إلى مشروع مؤسساتي؟
لم تولد فكرة القطب داخل مكتب إداري مغلق، بل جاءت ثمرة سنوات من العمل الميداني، والحوار بين جمعيات وتنسيقيات وتعاونيات وشركاء دوليين وجامعات وهيئات اشتغلت على قضايا الواحات، والجبل، والاقتصاد الاجتماعي، والتنوع البيولوجي، والسياحة البديلة.
لقد رآكم الإقليم مبادرات نوعية، من بينها مواقع SIPAM بأيت صواب وأيت منصور، وشراكات مع برامج دولية، ومبادرات في مجال الاقتصاد الأزرق، ومشاريع للحفاظ على المحيط الحيوي للأركان، فضلاً عن شبكات للتعاون مع جامعات وطنية ودولية وحركات عالمية مثل Slow Food. هذه الدينامية لم تكن مجرد مشاريع متفرقة، بل كانت نواة مشروع ترابي متكامل يقوم على الربط بين الجبل والواحة والمدينة والساحل. غير أن السؤال المطروح اليوم هو: إلى أي حد انعكست هذه التراكمات فعلياً في البنية الحالية للمشروع؟
هل أُعيد تشكيل المشروع بمنطق الإقصاء؟
وتعبير آخر، هل فقد القطب الترابي بتزنيت روحه؟ تتأكد اليوم في أوساط عدد من الفاعلين المدنيين أن المشروع تمت قرصنته ، وانه في صيغته الحالية، لا يعكس بتاتا او بالقدر الكافي التعددية التي ميّزت مراحل التفكير الأولى، وأن بعض الشبكات والمبادرات التي أسهمت في بناء التصور الأولي والتي تحظى بالحضور كبير في الساحة تم اقصائها داخل مسارات القرار. ولهادا ، فإن الإشكال لا يتعلق بأسماء أو تنظيمات بعينها، بل بمبدأ أساسي في الحكامة الترابية: هل يمكن لمشروع يرفع شعار التعاون أن يُبنى من دون إشراك واسع ومستدام لمختلف الفاعلين الذين ساهموا في نشأته؟
فالقطب الترابي لا يكتسب شرعيته من قرارات إدارية أو دعم سياسي قوي فحسب، وإنما من قدرته على أن يكون فضاءً مشتركاً، لا إطاراً يحتكره أي طرف.
التنمية ليست ملكاً لأحد والتحكم لا يصنعها
من أخطر ما يمكن أن يصيب المشاريع الترابية أن تتحول، بفعل موازين القوى أو الحسابات السياسية، إلى أدوات للتموقع أو لإعادة ترتيب المشهد المحلي. فالتنمية ليست غنيمة انتخابية، ولا وسيلة لإعادة توزيع النفوذ، بل هي عقد اجتماعي يقوم على الاعتراف بالتراكمات، واحترام التعددية، وضمان تكافؤ الفرص للجميع وبين مختلف الفاعلين.
وعندما يشعر جزء مهم من النسيج المدني أو التعاوني بأن مساهمته في بناء المشروع لم تجد ترجمتها في بنيته النهائية، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً وعريضا حول طبيعة الحكامة، وحول مدى احترام مبدأ المشاركة الذي يُعد أحد أسس الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
ما الذي يحتاجه القطب اليوم؟
إذا أراد المشروع أن يحافظ على مصداقيته، فإنه يحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة أدبية، تقوم على عدة مبادئ:
إعادة دمج كل الديناميات الترابية التي ساهمت في التأسيس، بما في ذلك مبادرات الواحات، والجبل، والساحل، والاقتصاد الأزرق، والاقتصاد الاجتماعي.
إرساء حكامة تعددية تقوم على التمثيل المتوازن، لا على منطق الغلبة أو الوصاية.
إشراك الجامعات ومراكز البحث بوصفها شريكاً في إنتاج المعرفة وتقييم السياسات.
ربط المشروع بالشبكات الدولية التي راكمت خبرة عملية في التنمية الترابية، وليس الاكتفاء بالبنية الإدارية المحلية.
اعتماد تنظيم ترابي متعدد الأقطاب يراعي خصوصيات تزنيت، وأنزي، وتافراوت، بدل مركزية القرار.
الرهان الحقيقي
إن مستقبل القطب لن يُقاس بعدد الاتفاقيات التي سيوقعها، ولا بعدد البلاغات التي ستصدر عنه، وإنما بقدرته على استعادة روح المشروع الأولى: روح التعاون، والانفتاح، والاعتراف بالتراكم، والاحتكام إلى الكفاءة لا إلى الاصطفاف. فالمشاريع الكبرى لا تُبنى بالإقصاء، ولا تستمر بالاحتكار، ولا تنجح إذا تحولت إلى امتداد لأي توازن سياسي عابر.
إن التنمية الترابية المستدامة لا تُصنع في المكاتب وحدها، بل تُبنى بالثقة، والشراكة، والإنصاف، وبالقدرة على تحويل الاختلاف إلى قوة جماعية. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل المهتمين بمستقبل الإقليم:
هل سيكون القطب الترابي مشروعاً لكل تزنيت، أم عنوانا للتحكم تُثار حوله أسئلة التمثيلية والحكامة والقدرة على احتضان جميع القوى الحية التي ساهمت في ولادته؟