Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الطريق الإقليمية 1900بتيزنيت : مشروع عمومي أم غنيمة انتخابية؟

بقلم عبد الله بنعيسى

لم يعد الجدل الدائر حول برمجة أشغال توسيع وتقوية الطريق الإقليمية رقم 1900، وباقي المحاور الطرقية بإقليم تيزنيت، مقتصراً على أهمية المشروع أو جدواه التنموية، بل تجاوز ذلك ليطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية تعامل بعض الفاعلين السياسيين مع المشاريع العمومية، ومحاولة تقديمها للرأي العام وكأنها إنجازات شخصية أو هبات انتخابية.

فبمجرد التقاط صورة مع وزير، يسارع البعض إلى إقناع المواطنين بأن المشروع لم يرَ النور إلا بفضل نفوذه وعلاقاته، متناسياً أن مثل هذه المشاريع تمر عبر مساطر قانونية وإدارية ومالية دقيقة، وتأتي نتيجة سنوات من الترافع والمطالب التي رفعتها الجماعات الترابية والجمعيات والمنتخبون والساكنة، إلى جانب الدراسات التقنية والاعتمادات المالية التي تبرمجها مؤسسات الدولة.

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل نحن أمام دولة المؤسسات التي تُبرمج مشاريعها وفق الحاجيات والأولويات، أم أمام محاولة لترسيخ منطق يجعل الصورة مع الوزير أقوى من الوثائق الرسمية، والقرب من المسؤول أهم من المؤسسات نفسها؟

إذا كان المشروع ممولاً من المال العام، فكيف يتحول فجأة إلى ملكية سياسية خاصة؟ وإذا كانت الوزارة قد اقتنعت بأهميته استناداً إلى معطيات تقنية ومطالب متراكمة، فلماذا يُختزل كل ذلك في ظهور شخص واحد أمام عدسات الكاميرا؟

وتزداد علامات الاستفهام عندما يُطرح احتمال آخر لا يقل خطورة: هل تُؤجل بعض المطالب التنموية إلى حين اقتراب الاستحقاقات الانتخابية حتى تُقدَّم في ثوب “إنجاز حزبي”؟ وهل يمكن أن تتحول المشاريع العمومية إلى أدوات للدعاية السياسية بدل أن تبقى حقاً للمواطنين والتزاماً على الدولة؟

إن كان الأمر كذلك، فنحن أمام خلل سياسي وأخلاقي يستوجب النقاش والمساءلة. أما إذا كان غير ذلك، فمن حق الرأي العام أن يعرف الحقيقة كاملة: متى انطلقت فكرة المشروع؟ ومن راسل بشأنه؟ ومن ترافع من أجله؟ ومتى أُنجزت الدراسات؟ وكيف تم توفير التمويل؟ وما هي المؤسسات التي ساهمت في إخراجه إلى حيز التنفيذ؟

وفي المقابل، فإن الدور الدستوري للبرلماني واضح ولا يحتاج إلى تأويل. فالنائب البرلماني يشرع القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيّم السياسات العمومية، ويترافع عن قضايا المواطنين داخل المؤسسات، وليس من مهامه تقديم المشاريع العمومية باعتبارها منجزات شخصية أو امتيازات يمنحها لمن يشاء.

النائب الذي يؤدي واجبه هو من يطلع المواطنين على الأسئلة التي وجهها للحكومة، والمذكرات التي رفعها، والالتزامات التي انتزعها، وكيف سيتابع تنفيذ المشروع ويضمن احترام آجاله وجودته، لا من يكتفي بصورة تذكارية تُقدَّم وكأنها صك ملكية لمرفق ممول من أموال دافعي الضرائب.

إن اختزال سنوات من الترافع والعمل المؤسساتي في صورة عابرة لا يُعد إنصافاً لكل من ساهم في الدفاع عن هذا المشروع، بل هو إلغاء لجهود الجماعات الترابية والجمعيات والفعاليات المدنية والساكنة التي ظلت تطالب بتحسين البنية التحتية الطرقية بالإقليم منذ سنوات.

كما أن ترسيخ فكرة أن المشاريع لا تتحقق إلا عبر النفوذ الشخصي والعلاقات الخاصة يسيء إلى صورة الدولة ومؤسساتها، ويزرع لدى المواطنين شعوراً بأن الحقوق لا تُنال بالقانون والتخطيط، وإنما بالقرب من أصحاب القرار. وهو منطق يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة المجالية.

إن الطريق الإقليمية رقم 1900 ليست هدية من أحد، وليست منحة انتخابية، بل مشروع عمومي يمول من المال العام، وإنجازه يدخل ضمن مسؤوليات الدولة تجاه مواطنيها. ومن حق الساكنة أن ترى الأشغال تنطلق في آجالها، وأن تُنجز وفق معايير الجودة، بعيداً عن أي استثمار سياسي أو انتخابي.

ما يحتاجه المواطن اليوم ليس صوراً تذكارية، بل وثائق رسمية، وبرامج واضحة، واعتمادات معلنة، وجدولة زمنية دقيقة للتنفيذ. فالصورة قد تصنع دعاية، لكنها لا تشق طريقاً، ولا تبني جسراً، ولا تحقق التنمية.

وفي النهاية، تبقى الطريق الإقليمية 1900 ملكاً للساكنة، وتمويلها من المال العام، وإنجازها واجب على الدولة، وليس من حق أي شخص أو حزب أن يعيد بيعها سياسياً للمواطنين مقابل رصيد انتخابي. فالمشاريع العمومية تُقاس بما تنجزه على أرض الواقع، لا بعدد الصور التي تُلتقط بجانبها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.