
حين يصبح السفر عقوبة جماعية: اضطراب النقل الجوي يعمق عزلة جهة كلميم وادنون ويقوض تكافؤ الفرص.
لم يعد الجدل حول النقل الجوي بجهة كلميم وادنون مرتبطاً بمجرد تأخير رحلة أو تغيير موعد إقلاع، بل تحول إلى قضية مجتمعية تمس الحياة اليومية للمواطنين، وتكشف حجم الهوة التي لا تزال تفصل الجهات البعيدة عن مراكز القرار والخدمات. ففي كل مرة تتأخر فيها رحلة أو يُعدَّل توقيتها أو تُلغى في آخر لحظة، لا تتعطل حركة المسافرين فحسب، بل تتعطل معها مصالحهم، وتضيع مواعيدهم، وتتبدد أحلامهم، في مشهد يتكرر حتى أصبح جزءًا من معاناة سكان الجهة.
وتتزايد شكاوى المواطنين من اضطرابات الرحلات الجوية، سواء بسبب التأخير لساعات طويلة أو إعادة برمجتها دون سابق إنذار أو إلغائها، وهي وقائع تداولتها وسائل إعلام ومنصات رقمية، فضلًا عن الشهادات التي تؤكد أن هذه الاضطرابات أصبحت تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين، خاصة أبناء الجهات الجنوبية الذين يرون في اختيار النقل الجوي الوسيلة الوحيدة القادرة على فك المعادلة القاسية ( المسافات الطويلة وعامل الزمن ). السفر الجوي هو الوسيلة الأسرع، لكنه الأكثر هشاشة من حيث احترام المواعيد، بينما السفر البري قد يستغرق 10 ساعات أو أكثر، مما يجعل الوصول في الوقت المحدد شبه مستحيل في كثير من الحالات.
إن المتضرر الأول من هذا الواقع ليس فئة بعينها، بل المجتمع الوادنوني بأكمله، الموظف الذي يفقد موعدًا إداريًا، والمريض الذي يتأخر عن موعد علاجه، والشباب المقبلون على اجتياز المباريات الوطنية أو مباريات المدارس العليا التي تزامنت هذا الأسبوع وبالتالي يجدون أنفسهم في مواجهة عراقيل لا علاقة لها بكفاءتهم أو استحقاقهم، وإنما بسبب بعد المسافة أو اضطراب رحلة كان يفترض أن تنقلهم في الوقت المحدد.
وفي ظل هذه الإشكالات، يتحول السفر إلى مغامرة غير مضمونة النتائج. فالمواطن لا يكتفي بتحمل تكاليف التذكرة والإقامة والتنقل، بل يبقى رهين احتمال تأخير الرحلة أو تعديل توقيتها أو حتى إلغائها، وهو ما قد يؤدي إلى ضياع موعد مصيري لا يمكن تعويضه، سواء تعلق الأمر بالتزام مهني أو إداري أو صحي أو مباريات وطنية. وهو واقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول العدالة المجالية وتكافؤ الفرص.
إن استمرار هذا الوضع لا يكرس فقط الشعور بالتهميش، بل يعمق الفوارق المجالية ويزيد من فقدان الثقة في قدرة المرافق والخدمات على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار والإنصاف. فحق المواطن لا يقتصر على حجز مقعد على متن طائرة، بل يمتد إلى ضمان خدمة منتظمة وموثوقة تحفظ مصالحه وتحترم ارتباطاته.
واليوم، لم يعد المطلوب مجرد تعويضات عن التأخير أو الإلغاء، بل مراجعة شاملة لسياسات الربط الجوي مع جهة كلميم وادنون، وتحسين انتظام الرحلات، وإرساء آليات فعالة لحماية حقوق المسافرين، إلى جانب إعادة النظر في ميثاق اللاتمركز، بما يحقق عدالة مجالية حقيقية ويخفف الأعباء عن سكان الجهات البعيدة.
فلا يمكن الحديث عن تنمية شاملة أو تكافؤ للفرص، بينما يبقى مستقبل المواطنين، ومصالحهم، وحقوقهم، معلقًا بموعد إقلاع قد يتغير في أي لحظة، أو برحلة قد لا تغادر أصلًا. فهي معضلة تتجاوز شركة طيران أو رحلة عابرة، لتصبح عنوانًا لاختلالات بنيوية تستوجب حلولًا جذرية، تحفظ كرامة المواطن، وتصون حقه في التنقل وفي الوصول إلى الفرص على قدم المساواة مع باقي أبناء الوطن.