Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

قانون الجبل بالمغرب.. مسار مستمر من أجل العدالة المجالية

في مشهد يعكس عمق الهوة بين الخطاب الرسمي حول العدالة المجالية وواقع السياسات العمومية، يواصل “الملتمس التشريعي لقانون الجبل” مساره نحو عتبة البرلمان المغربي، رغم توقف حملة جمع التوقيعات عند حوالي 12 ألف توقيع فقط خلال هذه الولاية التشريعية، من أصل 20 ألف توقيع يفرضها الدستور لتقديم الملتمسات التشريعية. وهو ما حدا بالائتلاف المدني من أجل الجبل إلى تعليق العملية مؤقتاً، تزامناً مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية، على أن يواصل الائتلاف صيرورته الترافعية والتنظيمية خلال الولاية اللاحقة.

غير أن توقف المسار الإجرائي مؤقتاً لا يعني سقوط الفكرة أو تراجع الحلم، بل يكشف حجم المأزق التنموي الذي تعيشه المناطق الجبلية بالمغرب، حيث ما تزال ملايين المواطنات والمواطنين يعيشون على هامش التنمية، رغم أن الجبال المغربية ليست مجرد تضاريس صامتة، بل خزانات حيوية للهوية الوطنية والثروات الطبيعية والتنوع البيولوجي والذاكرة الثقافية للمغرب العميق.

الجبل المغربي.. ثروة وطنية تعيش التهميش

من جبال الأطلس الكبير والمتوسط إلى قمم الأطلس الصغير ومرتفعات الريف، شكلت الجبال عبر التاريخ العمود الفقري للصمود المغربي، واحتضنت حضارات وثقافات وأنماط عيش حافظت على التوازن البيئي والاجتماعي لقرون طويلة. غير أن هذه المجالات، التي تمنح البلاد الماء والغابات والتنوع البيولوجي والثروات الطبيعية، ظلت في المقابل تعاني من العزلة والهشاشة وضعف البنيات التحتية وغياب الخدمات الأساسية. إنها مفارقة صارخة: مناطق غنية بمواردها، فقيرة في تنميتها.

ففي الوقت الذي تستفيد فيه المنظومة الاقتصادية الوطنية من خيرات الجبل، تستمر ساكنته في مواجهة الفقر والأمية والهجرة القسرية والتهميش، في ظل سياسات عمومية متفرقة تفتقد للالتقائية والنجاعة، وتعامل الجبل كمجرد هامش جغرافي لا كأولوية استراتيجية.

لماذا نطالب نحن المغاربة بـ “قانون الجبل”؟

الملتمس التشريعي الذي قاده الائتلاف المدني من أجل الجبل، في شخص المنسق الوطني السيد محمد الديش بصفته وكيلاً للائحة، ونائبته السيدة فاضمة أزوران ، عبر مسار من الإعداد والتأطير والمواكبة التقنية والإعلامية باسم المواطنات والمواطنين إضافة الى ممثلين من خمس جهات بالمملكة، لم يكن مجرد مطلب فئوي أو قطاعي، بل رؤية وطنية تسعى إلى إرساء إطار تشريعي خاص بالمناطق الجبلية، يضمن العدالة الترابية ويعترف بخصوصية الجبل كمجال يحتاج إلى سياسات عمومية مختلفة ومتكاملة.

ويستند هذا المطلب إلى روح دستور 2011، الذي نص على مبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والديمقراطية التشاركية، كما يستند إلى التزامات المغرب الدولية في مجال التنمية المستدامة وحماية البيئة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فالغاية من “قانون الجبل” ليست إنتاج نص قانوني إضافي يضاف إلى أرشيف التشريعات، بل خلق تحول حقيقي في فلسفة تدبير المجال الجبلي، من خلال:

• إقرار تنمية مندمجة ومستدامة تستجيب لخصوصيات المناطق الجبلية؛

• تقليص الفوارق المجالية الصارخة بين المغرب النافع والمغرب المنسي؛

• ضمان الولوج العادل إلى الصحة والتعليم والبنيات الأساسية؛

• حماية الموارد الطبيعية والثقافة الجبلية من التدهور والاستنزاف؛

• وضع الجبل ضمن أولويات الاستثمار العمومي والتمويل الوطني؛

• إحداث هيئة وطنية عليا تعنى بحماية وتنمية المناطق الجبلية؛

• اعتماد تعريف موحد للمجالات الجبلية لتسهيل التخطيط الترابي والاستهداف التنموي.

الجبل في قلب التحديات المناخية

تزداد راهنية هذا القانون اليوم في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تضرب المغرب بقوة، حيث أصبحت الجبال تواجه تهديدات غير مسبوقة: ندرة المياه، تدهور الغابات، انجراف التربة، التصحر، واندثار أنماط عيش تقليدية كانت تشكل جزءاً من التوازن البيئي. ورغم أن الجبل يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن البيئي والمائي للمغرب، فإن السياسات العمومية ما تزال عاجزة عن بلورة رؤية استراتيجية مندمجة تحفظ لهذه المجالات دورها الحيوي.إن استمرار إهمال الجبل لم يعد فقط قضية اجتماعية، بل أصبح تهديداً مباشراً للتوازن البيئي والسيادة الغذائية والاستقرار المجالي للبلاد.

مسار الملتمس.. أزمة مشاركة أم غياب إرادة؟

توقف حملة التوقيعات عند سقف 12 ألف توقيع يطرح أسئلة عميقة حول واقع الديمقراطية التشاركية بالمغرب. فهل المشكل في ضعف التعبئة؟ أم في تعقيد المساطر القانونية؟ أم في غياب ثقافة تشريعية تشاركية حقيقية؟ أم أن الأمر يعكس ضعف الإرادة السياسية في فتح نقاش وطني جدي حول إنصاف المغرب الجبلي؟ فالملتمس، في جوهره، لم يكن موجهاً ضد الدولة، بل كان دعوة إلى الدولة كي تعترف أخيراً بأن التنمية لا يمكن أن تبنى بمنطق المركز والهامش، وأن العدالة المجالية ليست شعاراً خطابياً، بل مسؤولية دستورية وأخلاقية.

مغرب الجبال يستحق الإنصاف

إن “قانون الجبل” ليس امتيازاً لفئة معينة، بل تصحيح تاريخي لمسار طويل من التفاوتات المجالية. فحين يطالب سكان الجبال بحقهم في الطرق والماء والمستشفى والمدرسة والكرامة، فهم لا يطلبون صدقة تنموية، بل يطالبون بحقوق مواطنة كاملة. لقد آن الأوان لأن تنتقل الدولة من منطق التدبير الموسمي للهشاشة إلى منطق السياسات الترابية العادلة، وأن تدرك أن حماية الجبل ليست فقط حماية للإنسان، بل حماية للمغرب نفسه.

فمغرب الجبال ليس هامشاً… بل هو قلب الوطن الصامت الذي ظل يحمل عبء التوازن البيئي والتاريخي والثقافي لقرون، دون أن ينال نصيبه العادل من التنمية والاعتراف. واليوم، ورغم الصعوبات والمساطر المعقدة، فإن مسار “قانون الجبل” لم يتوقف، بل دخل مرحلة جديدة من التراكم المدني والترافع الديمقراطي، في انتظار أن يتحول مطلب العدالة المجالية من شعار سياسي إلى التزام تشريعي حقيقي يليق بشموخ جبال المغرب وكرامة ساكنتها.

النقراوي مولاي المصطفى

منسق الائتلاف المدني من اجل البيئة بأملن تافراوت

عضو مؤسس للائتلاف المدني من اجل الجبل

تافرات الاحد 23 ماي 2026

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.