Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

بين التشريع والإنصات: عندما يُجمَّد القانون وتتكلم المهنة

ليس في السياسة ما يُقرأ حرفيًا كما يبدو، لكن بعض الوقائع لا تحتاج إلى تأويل طويل. تجميد مشروع القانون 66.23 المنظم لمهنة المحاماة لم يكن مجرد إجراء تقني عابر، بل لحظة كاشفة عن خلل في ترتيب الأولويات بين التشاور والتشريع. فقد بدا وكأن النص صيغ على قاعدة “مرِّر ثم ناقش”، بينما جاءت ردة الفعل المهنية لتعيد التذكير بقاعدة أعمق: “ناقش ثم مرِّر”.

ما حدث وضع الوزير عبد اللطيف وهبي في قلب اختبار سياسي ومهني معًا. فالرجل الذي تشكلت تجربته داخل فضاء المحاماة وجد نفسه في مواجهة جسم مهني يعرف أدوات الدفاع عن موقعه، ويجيد لغة الضغط المؤسساتي. وهنا تتجلى المفارقة؛ إذ لا يتعلق الأمر بصراع بين طرفين متباعدين، بل بين ذاكرة المهنة ومتطلبات السلطة، بين تجربة سابقة ومسؤولية حالية.

المشكلة في جوهرها لم تكن رفضًا عبثيًا ولا استعراضًا احتجاجيًا. فالمحامون حين صعّدوا، لم يفعلوا ذلك بحثًا عن العناوين أو إثارة الضجيج، بل انطلاقًا من تقديرهم أن المشروع يطرح نقاطًا تستوجب التمحيص قبل اعتماده. وعندما يتوحد أهل الاختصاص حول التحفظ، فذلك غالبًا مؤشر على أن النص يحتاج مراجعة، لا على أن الاعتراض مجرد انفعال.

لقد أرادت الوزارة سرعة في الحسم، فجاء الرد أسرع في التعطيل. وأرادت إنهاء النقاش، فانتهت الجولة بإعادته إلى نقطة البداية. وهنا يظهر درس بليغ في إدارة التشريع: القوانين المرتبطة بالمهن المنظمة لا تُصاغ بمنطق الاستعجال، لأن أثرها يتجاوز النص إلى الثقة المؤسسية ذاتها. التشاور الحقيقي ليس إجراءً شكليًا يسبق الإقرار، بل شرطًا لصناعة نص قابل للحياة.

الدخول إلى المسؤولية بصفة مهنية سابقة يحمّل صاحبه عبئًا مضاعفًا: عبء القرار، وعبء الذاكرة. فالمنصب لا يلغي الانتماء الأول، بل يفرض استحضاره بوعي أكبر. والميدان، كما أثبتت الواقعة، لا يصفق للسلطة بقدر ما يحترم من يصغي ويتفاعل ويعدل المسار.

وفي النهاية، تظل المحاماة — بما تمثله من دفاع ومرافعة وميزان بين الحق والواجب — زهرة دقيقة في بستان العدالة، تحتاج إلى رعاية تشريعية متأنية لا إلى مقص السرعة. أما القوانين التي تنظمها، فلا يُكتب لها الاستقرار إلا حين تولد من رحم الحوار، لا من عجلة القرار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.