
السردين بين المرسى والسوق… هل تنجح “وصفة الشفافية” في كبح جشع الوسطاء؟
عاد السردين، سمك الفقراء كما يُلقّب، ليشغل بال المغاربة بعدما حلق ثمنه في الأسواق بشكل غير مفهوم، رغم وفرة المصطادات في عدد من الموانئ. وبين تساؤلات المواطنين ومعاناة الصيادين، دخل مجلس المنافسة على الخط، واضعاً يده على ما اعتبره “العلة” الحقيقية وراء التهاب الأسعار: تضخم هوامش الوسطاء.
هوامش تصل إلى 70%… أين تذهب الأرباح؟
وفق المعطيات التي كشف عنها رئيس المجلس، أحمد رحو، فإن بعض الوسطاء قد يستحوذون أحياناً على ما يصل إلى 70% من الثمن الذي يؤديه المستهلك، دون تقديم قيمة مضافة حقيقية تُبرر هذا الفارق الكبير بين سعر البيع في المرسى وسعره في الأسواق الشعبية.
هذا الوضع خلق مفارقة صادمة:
الصياد يشتكي من ضعف هامش الربح.
المواطن يئن من غلاء الأسعار.
والوسيط يراكم أرباحاً غير متناسبة مع دوره.
“الحوت في المرسى… والثمن في المنصة”
المبادرة المقترحة تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق الأثر: الشفافية الرقمية.
فبموجب التوجه الجديد، سيعمل المكتب الوطني للصيد البحري على نشر أسعار البيع بالجملة بشكل يومي عبر منصته الرسمية، ما يتيح للجميع—تجاراً ومستهلكين—معرفة الثمن الحقيقي الذي خرج به السردين (وباقي الأسماك) من الميناء.
الرهان هنا واضح:
تمكين المواطن من معرفة السعر المرجعي.
تضييق هامش المناورة أمام المضاربين.
خلق “رادار رقمي” يفضح أي زيادات غير مبررة.
فعندما يعرف المستهلك أن السردين بيع في الميناء بثمن معين، يصبح من الصعب تبرير مضاعفة السعر في السوق دون أسباب موضوعية كالنقل أو التخزين.
الشفافية… دواء ضد الاتفاقات الخفية
المقترح لا يقتصر على قطاع الصيد البحري فقط، بل يُنظر إليه كنموذج قابل للتعميم على باقي المواد الغذائية الأساسية. فالرقمنة ونشر الأسعار المرجعية قد يشكلان آلية ردع فعالة ضد الاتفاقات السرية والممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
إن توفير المعلومة في وقتها الحقيقي:
يعزز الثقة في السوق،
يرفع من وعي المستهلك،
ويخلق توازناً أفضل بين مختلف المتدخلين في سلاسل التوزيع.
بين الطموح والتطبيق
غير أن نجاح هذه الخطة يظل رهيناً بعدة شروط:
انتظام نشر المعطيات وتحيينها يومياً.
سهولة ولوج المواطنين للمنصة الرقمية.
تفعيل المراقبة والعقوبات في حال ثبوت تجاوزات.
فالشفافية وحدها لا تكفي إذا لم تُواكبها آليات ضبط صارمة وسرعة في التدخل عند رصد الاختلالات.
رسالة أمل لجيوب المغاربة
ملف السردين لم يعد مجرد قضية سعر سمك، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة مؤسسات الحكامة على حماية القدرة الشرائية للمواطن. وإذا نجحت تجربة “الثمن في المنصة”، فقد تكون خطوة أولى نحو سوق أكثر عدلاً وإنصافاً، حيث يعرف الجميع—من الصياد إلى المستهلك—حدود الربح المشروع.
وفي انتظار أن تؤتي هذه المبادرة أكلها، يبقى الأمل قائماً في أن يعود السردين إلى مكانته الطبيعية: وجبة شعبية في متناول الجميع، لا عنواناً لجدل الغلاء.