Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

المغرب الأخضر بإقليم تيزنيت وتافراوت.. 15 سنة من الوعود والمشاريع المعطلة: أين ذهبت أموال الدعم العمومي؟ ومن يحمي المستفيدين من الريع؟

دعوة إلى فتح تحقيق شامل في مصير مشاريع مخطط المغرب الأخضر، والوقوف على حقيقة الاختلالات المحتملة وتضارب المصالح وهدر المال العام

تفاعلاً مع المقال الذي نشرته صفحة «تيزبريس» صباح اليوم الجمعة، بشأن حصيلة مخطط «المغرب الأخضر» بإقليم تيزنيت، أجد لزاماً عليّ أن أثير هذا الملف الشائك، الذي تتقاطع فيه رهانات التنمية الفلاحية بالحسابات السياسية والحزبية، وما قد يكون نتج عنها من مظاهر الريع وتضارب المصالح وسوء تدبير المال العام.

فمنذ إطلاق مخطط «المغرب الأخضر»، رُفعت شعارات كبيرة وقُدمت وعود تنموية واسعة لفائدة الجماعات القروية بإقليم تيزنيت، من خلال مشاريع وبرامج تستهدف تطوير مختلف سلاسل الإنتاج الفلاحي، وتحسين ظروف اشتغال الفلاحين، وتثمين المنتجات المحلية، وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

وعلى امتداد أزيد من 15 سنة، رُصدت اعتمادات مالية مهمة من المال العام وصناديق الدعم الفلاحي، وشملت تدخلات وأوراشاً أقيمت على أراضٍ خاصة وأخرى تابعة للأراضي الجماعية.

لكن، وبعد مرور كل هذه السنوات، يحق للرأي العام أن يطرح أسئلة جوهرية لا يمكن الاستمرار في تجاهلها:

أين هي الدراسات التقنية والاقتصادية التي بُنيت عليها هذه المشاريع؟ وأين تقارير التتبع والتقييم؟ وما مصير التجهيزات والمنشآت التي أُنجزت بملايين الدراهم؟ وأين انعكاس هذه الاستثمارات على أوضاع الفلاحين الصغار والتعاونيات المحلية؟ ومن استفاد فعلياً من الدعم العمومي؟

معصرة الحاشيت بأزغار.. نموذج لمشروع ينتظر تفعيل دوره التنموي

من بين النماذج التي تستوجب الوقوف عندها، مشروع معصرة الزيتون بمنطقة الحاشيت (أزغار)، المنجزة في إطار مشروع فلاحي على أراضٍ جماعية، والتي تم بناؤها وتجهيزها بمعدات متطورة منذ سنوات، لكنها، بحسب المعطيات المتداولة محلياً، لم توضع رهن إشارة الفلاحين ولم تدخل حيز الاستغلال إلى حدود اليوم.

إن استمرار تعطل منشأة من هذا النوع، رغم ما رُصد لها من أموال عمومية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب عدم تشغيلها، والجهة المسؤولة عن تدبيرها، ومصير التجهيزات التي أُنجزت بها، والجهات التي كان يفترض أن تستفيد من خدماتها.

فكيف يُعقل أن تظل منشأة مخصصة لتثمين المنتوج الفلاحي مغلقة أو معطلة، في الوقت الذي يعاني فيه صغار الفلاحين من صعوبات التسويق والتثمين وارتفاع تكاليف الإنتاج؟

إن الأمر لا يتعلق بمجرد بناية أو تجهيزات، بل بمشروع تنموي كان من المفترض أن يشكل رافعة اقتصادية واجتماعية للمنطقة.

منظومة الدعم الفلاحي وتضارب المصالح.. أسئلة سياسية ومؤسساتية مشروعة

لا يمكن أيضاً فصل النقاش حول حصيلة مخطط المغرب الأخضر بالإقليم عن السياق السياسي والمؤسساتي الذي طُبقت فيه برامجه.

فارتباط تدبير قطاع الفلاحة لسنوات طويلة بقيادات سياسية نافذة، بالتوازي مع الحضور القوي لحزب التجمع الوطني للأحرار داخل عدد من المؤسسات المنتخبة والغرف المهنية بالإقليم، يفرض ضرورة تعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص في توزيع الدعم العمومي، وضمان استقلالية آليات الانتقاء والتتبع والمراقبة.

وهنا تبرز تساؤلات مشروعة حول معايير اختيار المستفيدين، ومدى احترام قواعد الحكامة الجيدة، واحتمالات وجود تضارب مصالح أو استفادة غير متكافئة من المشاريع والبرامج الفلاحية.

فهل استفاد الفلاح الصغير فعلاً من هذه البرامج؟ أم أن جزءاً من ثمارها ظل محصوراً في دوائر محدودة من الأعيان والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين؟

وهل خضعت المشاريع المنجزة على الأراضي الجماعية للمراقبة اللازمة، وهل تم احترام الالتزامات المرتبطة بتخصيصها واستغلالها لفائدة المجموعات المستهدفة؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف إصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات دون أدلة، وإنما ترمي إلى المطالبة بكشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات، إن ثبت وجود اختلالات أو تجاوزات.

هل نحن أمام هدر للمال العام أم اختلالات تستوجب المساءلة القضائية؟

إن تعطل المشاريع الممولة من المال العام، وعدم وضوح مصير بعض التجهيزات والاستثمارات، واحتمال توجيه الدعم العمومي خارج الأهداف التي خُصص لها، كلها مؤشرات تستوجب افتحاصاً دقيقاً ومسؤولاً.

وإذا أثبتت التحقيقات وجود أفعال من قبيل تبديد الأموال العمومية أو استغلال النفوذ أو الإضرار بالمصالح المالية للدولة أو تحقيق منافع غير مشروعة، فإن الأمر يتجاوز حدود سوء التدبير الإداري ليصبح موضوعاً للمساءلة القانونية والقضائية وفقاً للتشريعات الجاري بها العمل.

فمن المسؤول عن المشاريع التي لم تحقق أهدافها؟ ومن يتحمل مسؤولية تعطيل المنشآت الفلاحية؟ وهل جرى تقييم حقيقي لمردودية الأموال التي صُرفت؟ وهل تم التحقق من سلامة مساطر الاستفادة والتدبير والصفقات والاتفاقيات؟

المطلوب اليوم: افتحاص شامل ومحاسبة كل من ثبت تورطه

إننا اليوم أمام ضرورة ملحة لفتح ملف مخطط المغرب الأخضر بإقليم تيزنيت، من تيزنيت إلى تافراوت، عبر افتحاص مالي وتقني وميداني شامل، يشمل:

حصر جميع المشاريع والبرامج التي استفادت من التمويل العمومي خلال السنوات الماضية.

الكشف عن الاعتمادات المالية المرصودة والمبالغ المصروفة فعلياً لكل مشروع.

تقييم وضعية المشاريع المتعثرة أو المتوقفة، وتحديد أسباب عدم استغلالها.

التحقق من طرق تدبير العقارات الجماعية والمنشآت المقامة فوقها.

التدقيق في لوائح المستفيدين ومعايير اختيارهم، ومدى احترام قواعد تكافؤ الفرص.

التحقيق في أي شبهة لتضارب المصالح أو استغلال النفوذ أو توجيه الدعم لخدمة مصالح خاصة.

ترتيب المسؤوليات الإدارية والمالية والقضائية متى ثبتت المخالفات.

رسالة إلى الإعلام والمنتخبين والبرلمانيين

هذا الملف أضعه أمام وسائل الإعلام المحلية والوطنية، من أجل تنوير الرأي العام وفتح نقاش جدي ومسؤول حول حصيلة مخطط المغرب الأخضر بالإقليم.

كما أضعه أمام برلمانيي الإقليم والجهة: عبد الله غازي، ولحسن الباز، وخديجة الباز، والدكتورة سناء فوزي المسعدي، من أجل الترافع بشأنه داخل المؤسسات التشريعية، وتوجيه الأسئلة البرلمانية اللازمة، والمطالبة بفتح تحقيق مؤسساتي وافتـحاص شامل لمختلف المشاريع والبرامج التي نُفذت في إطار المخطط.

إن التنمية ليست أرقاماً تُعرض في التقارير، ولا بنايات تُدشن ثم تُترك عرضة للإهمال، ولا اعتمادات مالية تُصرف دون أثر ملموس على حياة المواطنين.

من حق فلاحي تيزنيت وتافراوت أن يعرفوا أين ذهبت أموال الدعم العمومي، ومن استفاد منها، ولماذا ظلت بعض المشاريع معطلة طوال هذه السنوات.

لقد آن الأوان لرفع الغطاء عن هذا الملف، وإخضاعه للمساءلة والشفافية، بعيداً عن الحسابات الحزبية والسياسية، وبعيداً عن أي حماية محتملة لمصالح ضيقة على حساب التنمية المحلية.

فأموال المغاربة ليست غنيمة، ومشاريع التنمية ليست ريعاً انتخابياً، والمحاسبة ليست خياراً سياسياً، بل حق للمواطن وواجب على المؤسسات.

تيزنيت وتافراوت تستحقان تنمية حقيقية، لا وعوداً مؤجلة ومشاريع مغلقة!

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.