
النقل الحضري بإقليم تيزنيت.. من يتحمل مسؤولية توقف الحافلات وحرمان المواطنين من حقهم في التنقل؟
بقلم المستشار الجماعي يوسف بوميا
في خضم النقاش الدائر حول حرمان شريحة واسعة من المواطنات والمواطنين بإقليم تيزنيت من خدمات النقل الحضري، عقب توقف حافلات الشركة عن العمل مع بداية شهر نونبر 2026، بات من الضروري العودة إلى مجموعة من المعطيات والوثائق المرتبطة بهذا الملف، من أجل وضع الرأي العام أمام تسلسل الأحداث، وطرح الأسئلة التي من شأن الإجابة عنها أن تكشف حقيقة ما يجري، وتحدد مكامن الخلل والمسؤوليات.
فخلف هذا التوقف المفاجئ، الذي انعكست آثاره بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، وخاصة الطلبة والتلاميذ والمتدربين والعاملين، تبرز مجموعة من المحطات والتطورات التي تستحق التوقف عندها:
أولا: اتفاقية سنة 2014
تم توقيع اتفاقية شراكة بين المجلس الإقليمي والشركة المكلفة بتدبير خدمات النقل الحضري سنة 2014، تمتد صلاحيتها لعشر سنوات، أي إلى غاية سنة 2024.
ثانيا: إحداث مجموعة الجماعات الترابية «تيزنيت الكبرى»
صدر قرار وزير الداخلية رقم 24 بتاريخ 05 يونيو 2024، القاضي بالإعلان عن تكوين مجموعة الجماعات الترابية «تيزنيت الكبرى»، المكلفة بتدبير النقل بين الجماعات بواسطة الحافلات، في خطوة كان يفترض أن تشكل مدخلا لإرساء تصور جديد لتدبير هذا المرفق الحيوي، وتجاوز إشكالية انتهاء الاتفاقية السابقة.
ثالثا: تمديد الاتفاقية خلال أكتوبر 2024
خلال شهر أكتوبر 2024، تم تمديد الاتفاقية لمدة سنة إضافية، وفق ما كان منصوصا عليه في الاتفاقية الأصلية، إلى غاية فاتح شتنبر 2025، مع إدخال مجموعة الجماعات الترابية «تيزنيت الكبرى» طرفا في الاتفاقية، لتحل محل المجلس الإقليمي باعتبارها السلطة المفوضة.
رابعا: مرحلة الفراغ القانوني
خلال الفترة الممتدة من شتنبر 2025 إلى ماي 2026، يطرح استمرار الشركة في تقديم خدمات النقل إشكالا قانونيا وتدبيريا، بالنظر إلى أن العقد الممدد انتهى، حسب المعطيات المتوفرة، بتاريخ فاتح شتنبر 2025، وهو ما يستدعي توضيح الأساس القانوني الذي استندت إليه الشركة لمواصلة استغلال المرفق خلال هذه المرحلة.
خامسا: تمديد جديد خلال دورة يونيو 2026
خلال دورة يونيو 2026، تم اتخاذ قرار بتمديد العقد لمدة ستة أشهر، ابتداء من فاتح مارس 2026، أي إلى غاية نهاية شهر غشت 2026، مع إضافة مقتضى ينص على تجديده تلقائيا إلى حين استكمال الإجراءات المتعلقة بالنموذج المستقبلي لتدبير مرفق النقل وتعيين مفوض له جديد.
وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول الوضعية التعاقدية للشركة بعد انتهاء هذه المدة، ومدى تفعيل شرط التجديد التلقائي، والإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية لضمان استمرارية المرفق العمومي دون انقطاع.
أمام هذا التسلسل من الأحداث، يجد المواطن نفسه اليوم أمام واقع صعب: حافلات متوقفة، وطلبة وتلاميذ ومتدربون مهددون بالتأخر أو الانقطاع عن الدراسة والتكوين، ومواطنون عاجزون عن قضاء أغراضهم اليومية، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي يطبع تدبير هذا المرفق الحيوي.
إن الأمر لا يتعلق بمجرد خلاف تعاقدي أو إشكال إداري بين شركة ومجموعة جماعات ترابية، بل يتعلق بمرفق عمومي أساسي يرتبط بحق المواطنين في التنقل، وبمسؤولية المؤسسات المنتخبة والسلطات المعنية في ضمان استمراريته وجودة خدماته.
ومن هنا، تفرض المرحلة طرح مجموعة من الأسئلة المشروعة التي لا ينبغي أن تبقى معلقة:
هل اعتبرت الشركة أن توقفها عن تقديم خدمات النقل نتيجة حتمية لانتهاء العقد الذي كان يربطها أولا بالمجلس الإقليمي، ثم بمجموعة الجماعات الترابية «تيزنيت الكبرى»؟
هل كان ارتفاع أسعار المحروقات فعلا السبب الرئيسي وراء قرار التوقف، أم أن الأمر يرتبط بإشكالات تعاقدية ومالية وتدبيرية أعمق؟
هل صحيح أن الشركة كانت ترفض أداء الأتاوى المستحقة للمجلس الإقليمي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة الخلاف وما مآلاته؟
هل كانت الشركة تستفيد، أو مؤهلة للاستفادة، من الدعم الاستثنائي المباشر الموجه لمهنيي النقل الحضري بالمغرب، والمحدد في 4960 درهما عن الحافلة، وما أثر الوضعية القانونية لعقد التفويض على هذا الاستحقاق؟
هل كان انتهاء عقد التفويض عاملا حاسما في حرمان الشركة من هذا الدعم، إن كانت مستوفية لباقي شروط الاستفادة؟
ما الأساس القانوني الذي استندت إليه الشركة لمواصلة تقديم خدماتها خلال الفترة التي تلت فاتح شتنبر 2025؟
وأين وصلت الإجراءات المتعلقة بإعداد النموذج الجديد لتدبير مرفق النقل وتعيين المفوض له الجديد، الذي كان يفترض أن يضمن انتقالا سلسا دون المساس بمصالح المواطنين؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي كشف الوثائق المرتبطة بالاتفاقيات والتمديدات، وتوضيح الوضعية المالية والتعاقدية للشركة، ونشر المعطيات المتعلقة بالدعم العمومي، فضلا عن تقديم توضيحات رسمية من طرف مجموعة الجماعات الترابية «تيزنيت الكبرى» وباقي المؤسسات المعنية.
فالمواطن ليس طرفا في الخلافات الإدارية، ولا ينبغي أن يكون رهينة لتعثر التنسيق بين المؤسسات أو تأخر اتخاذ القرارات.
إن مسؤولية تدبير المرفق العمومي لا تقف عند حدود توقيع الاتفاقيات أو إصدار القرارات، بل تمتد أساسا إلى ضمان استمرارية الخدمة وحماية مصالح المرتفقين، واستباق الأزمات قبل وقوعها، بدل انتظار توقف الحافلات حتى يبدأ تبادل الاتهامات وتوزيع المسؤوليات.
إن ساكنة إقليم تيزنيت لا تحتاج اليوم إلى تبريرات إضافية بقدر ما تحتاج إلى حلول عملية ومستعجلة، وإلى توضيحات شفافة تضع حدا لحالة الغموض التي تحيط بهذا الملف.
فمن يتحمل مسؤولية هذا التعثر؟ وأين اختلت حلقات التدبير والتنسيق؟ ومتى ستعود الحافلات إلى شوارع الإقليم؟
أسئلة نضعها أمام جميع الجهات المعنية، ليس من باب تصفية الحسابات أو توجيه الاتهامات، وإنما من منطلق الحق في المعلومة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والدفاع عن حق المواطنات والمواطنين في الاستفادة من مرفق عمومي لا يمكن الاستغناء عنه.