
النفايات والإنسان: حين تسبق حكمة نساء الأطلس الصغير سياسات المدن بأزيد من عشرين عاماً!
بقلم الفاعل المدني مولاي مصطفى النقراوي
من ذاكرة الدواوير إلى أزمة التدبير الحضري… لماذا لم تتحول المعرفة المحلية إلى سياسة عمومية؟
ليست أزمة النفايات التي تخنق المدن المغربية اليوم مجرد أزمة شاحنات متعثرة أو مطارح بلغت طاقتها الاستيعابية أو محطات معالجة لم تجد طريقها إلى الإنجاز. إنها، في جوهرها، أزمة تصور وحكامة وثقافة مجتمعية، وربما قبل ذلك كله، أزمة إنصات إلى المعرفة التي راكمتها المجتمعات المحلية على مدى أجيال.
منذ أكثر من عشرين سنة، وفي دواوير الأطلس الصغير، وبالضبط في مجموعة دواوير افلاواسيف بجماعة املن ، كنا ننشغل بدراسة ظاهرة النفايات المنزلية، ليس من داخل المكاتب المكيفة أو عبر الجداول الإحصائية وحدها، بل من خلال الاقتراب من الحياة اليومية للأسر، وملاحظة الممارسات المنزلية، والاستماع إلى النساء اللواتي كنّ يتحملن، بصمت ومسؤولية، جانباً أساسياً من تدبير مخلفات الحياة اليومية.
واليوم، وأنا أعود إلى كتاب «Des déchets et des hommes»، الذي أهدته إليّ الباحثة الأمريكية ماركاريت جاكسون ، وجدتني أستحضر تلك التجربة الميدانية بكل ما حملته من أسئلة وملاحظات واستنتاجات. فقد أعاد هذا الكتاب، الصادر سنة 1999 للباحثين دومينيك لويلييه ويان كوشان، فتح نقاش يتجاوز الطبيعة المادية للنفايات إلى أبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية. إنها عودة إلى سؤال قديم، لكنه أصبح أكثر إلحاحاً اليوم: كيف استطاعت مجتمعات قروية محدودة الإمكانات أن تطور ممارسات عملية لتقليص النفايات وتثمينها، بينما لا تزال مدن حديثة، بميزانياتها ومؤسساتها وتقنياتها، عاجزة عن إيجاد حلول مستدامة لما تنتجه؟
. الأطلس الصغير: مختبر ميداني لمعرفة بيئية لم تنل حقها
في دواوير الأطلس الصغير، لم يكن تدبير النفايات مفهوماً مستورداً أو شعاراً بيئياً رائجاً. كان جزءاً من نظام عيش فرضته محدودية الموارد، وقوة الارتباط بالأرض، والحاجة إلى عدم تبديد أي مورد قابل للاستعمال. ومن خلال الممارسات اليومية للنساء، أمكن الوقوف على أشكال متعددة من الفرز المنزلي، وإعادة الاستخدام، والاستفادة من البقايا العضوية، وتوظيف بعض المواد في أغراض أخرى، والتمييز بين ما يمكن استرجاع قيمته وما لا يمكن إعادة استعماله.
لم تكن هذه الممارسات مطابقة بالضرورة لمعايير الاقتصاد الدائري الحديثة، لكنها كانت تجسد جوهره العملي: تقليص الهدر، وإطالة عمر المواد، والحد من انتقال المخلفات إلى المحيط الطبيعي.
والأهم أن هذه التجربة كشفت عن حقيقة غالباً ما تغيب عن الدراسات التقنية: المرأة القروية ليست مجرد مستهلكة للخدمات البيئية أو مستفيدة من برامج التوعية؛ إنها فاعل أساسي ومنتج للمعرفة البيئية المحلية.
لقد كانت هاته النسوة يمارسن، بوسائل بسيطة، ما تتحدث عنه اليوم الاستراتيجيات الدولية تحت عناوين الاقتصاد الدائري، والوقاية من النفايات، والتدبير المستدام للموارد. لكن المفارقة أن المعرفة التي أنتجتها هذه الممارسات لم تتحول بما يكفي إلى برامج مؤسساتية، ولم تجد طريقها إلى السياسات العمومية بالقدر الذي تستحقه.
. حين تتحول النفايات إلى أزمة اجتماعية وسياسية
في كتابهما، يذهب لويلييه وكوشان إلى ما هو أبعد من المعالجة التقنية للنفايات، مستكشفين الحمولة الرمزية والنفسية التي تحملها هذه المواد في الوعي الجماعي. فالنفاية ليست مجرد بقايا مادية؛ إنها أيضاً ما يرفض المجتمع رؤيته، وما يسعى إلى إبعاده عن فضائه اليومي، وكأن نقلها إلى مكان آخر كفيل بمحو المشكلة.
وهنا تبرز إحدى الظواهر التي يناقشها الكتاب، والمعروفة دولياً بمفهوم NIMBY – Not In My Back Yard، أي: «نعم للحل، ولكن ليس بالقرب من منزلي».
إنها مفارقة المجتمعات الحديثة: الجميع يطالب ببيئة نظيفة، والجميع يريد التخلص من النفايات، لكن عندما يتعلق الأمر باختيار موقع مطرح أو مركز للمعالجة، يتحول الإجماع إلى رفض ومقاومة واحتجاج. ولا ينبغي اختزال هذه المواقف في مجرد أنانية محلية أو رفض غير عقلاني. فكثير منها يعكس انعدام الثقة في المؤسسات، والخوف من التلوث، وضعف الشفافية، وغياب العدالة في توزيع الأعباء البيئية.
فلماذا تتحمل جماعة ترابية أو منطقة قروية تبعات نفايات مدينة بأكملها؟ ومن يضمن سلامة المياه والتربة والهواء؟ ومن يراقب الالتزامات البيئية؟ ومن يعوض السكان عن الأضرار المحتملة؟ هذه ليست أسئلة تقنية هامشية، بل أسئلة تتعلق بالديمقراطية البيئية والعدالة المجالية وحق المواطنين في المشاركة في القرارات التي تمس حياتهم.
. المفارقة المغربية: نفايات أكثر، ومعرفة أقل استثماراً
في المغرب، لم تعد إشكالية النفايات مقتصرة على المدن الكبرى. فقد امتدت تداعيات أنماط الاستهلاك الحديثة إلى القرى والواحات والمناطق الجبلية، حيث أصبحت المواد البلاستيكية وعبوات التغليف ومخلفات المنتجات الصناعية جزءاً من المشهد اليومي. المشكلة أن التحول في أنماط الاستهلاك لم يواكبه تحول مماثل في منظومات التدبير المحلي.
فالمجال القروي الذي كان يعتمد، إلى حد كبير، على إعادة الاستخدام والتثمين وتقليص الهدر، أصبح يواجه نفايات جديدة لا تتوفر دائماً على وسائل جمعها وفرزها ومعالجتها. وفي المقابل، ظلت المقاربة الحضرية في كثير من الحالات أسيرة منطق جمع النفايات ونقلها والتخلص منها، دون إعطاء الوقاية من إنتاجها والتثمين المادي لها المكانة الاستراتيجية المطلوبة.
لقد أصبحنا نناقش كلفة الطن الواحد من النفايات، وكلفة نقله، وكلفة دفنه أو معالجته، بينما لا نمنح القدر نفسه من الاهتمام للسؤال الأكثر أهمية: كيف نمنع إنتاج هذا الطن أصلاً؟ وكيف نستعيد القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمواد التي يحتويها؟
إن أي سياسة وطنية جادة لا يمكن أن تكتفي بتطوير البنيات التحتية، بل يجب أن تعيد النظر في سلسلة إنتاج النفايات بأكملها، بدءاً من المنتج والمصنع والمستورد، مروراً بالموزع والمستهلك، وصولاً إلى الجماعات الترابية وشركات التدبير وفاعلي التدوير. فلا يمكن مطالبة المواطن وحده بتغيير سلوكه، بينما تظل منظومة الإنتاج والتسويق والاستهلاك تنتج النفايات بالمعدلات نفسها.
. من تدبير النفايات إلى العدالة البيئية
إن أحد أهم الدروس التي ينبغي أن تستخلصها السياسات العمومية من التجربة الميدانية للأطلس الصغير هو أن التدبير المستدام لا يتحقق بقرار إداري منفرد، ولا بصفقة عمومية، ولا باقتناء معدات الجمع والكنس وحدها. إنه مشروع مجتمعي يتطلب توزيعاً عادلاً للمسؤوليات والمنافع والأعباء. وفي هذا السياق، ندعو إلى مراجعة المقاربة الوطنية لتدبير النفايات من خلال خمسة مداخل استراتيجية:
أولاً: الاعتراف بالمعرفة البيئية المحلية. عبر توثيق الممارسات التقليدية في القرى والواحات والمناطق الجبلية، واستثمار خبرات النساء في الفرز المنزلي وإعادة الاستخدام والتثمين، وتحويلها إلى نماذج عملية قابلة للتطوير والتكييف.
ثانياً: الانتقال من اقتصاد التخلص إلى اقتصاد الوقاية والتثمين. مع إعطاء الأولوية لتقليص النفايات من المصدر، والحد من المواد أحادية الاستعمال، وتشجيع إعادة الاستخدام والتدوير والتسميد، وعدم اللجوء إلى الطمر إلا بالنسبة إلى المتبقيات التي يتعذر تثمينها، وفق المعايير البيئية والصحية.
ثالثاً: إقرار العدالة البيئية والمجالية. ثم عدم تحويل المناطق القروية والجبلية إلى فضاءات لاستقبال نفايات المدن، وضمان تقييم الأثر البيئي والاجتماعي، والشفافية في اختيار المواقع، وإشراك الساكنة في اتخاذ القرار ومراقبة التنفيذ.
رابعاً: جعل الجماعات الترابية والمجتمع المدني شريكين في الحكامة.و الانتقال من اعتبار الجمعيات مجرد أدوات للتحسيس والتوعية إلى الاعتراف بها كقوة اقتراح ومراقبة وتقييم ووساطة مجتمعية، مع تمكينها من المعطيات والموارد اللازمة للقيام بأدوارها.
خامساً: بناء منظومات محلية ملائمة للخصوصيات المجالية. لان ما يصلح لمدينة كبرى ليس بالضرورة صالحاً لقرية جبلية أو واحة متناثرة الدواوير. ولذلك ينبغي أن تقوم الحلول على التشخيص المحلي، والجدوى الاقتصادية، والقدرة المؤسساتية، والمشاركة المجتمعية.
. دعوة إلى إعادة فتح دفاتر الدراسات الميدانية
من موقع المجتمع المدني البيئي، نعتقد أن الوقت قد حان لإعادة فتح الدراسات والتجارب الميدانية التي أنجزتها الجمعيات والباحثون والفاعلون المحليون قبل سنوات، ليس بدافع الحنين إلى الماضي، وإنما من أجل استعادة ما يمكن أن يكون قد ضاع من معرفة وخبرات وفرص. إننا بحاجة إلى جرد نقدي للتجارب السابقة، ومساءلة أسباب عدم انتقال كثير من توصياتها إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ.
كما نحتاج إلى بناء جسور حقيقية بين البحث العلمي والمجتمع المدني والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، حتى لا تبقى المعرفة حبيسة التقارير، ولا تظل السياسات العمومية منفصلة عن الواقع الميداني. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل الأطلس الصغير مجالاً نموذجياً لإطلاق مبادرة بحثية وتشاركية حول الذاكرة البيئية المحلية، بمشاركة النساء القرويات والباحثين والجمعيات والتعاونيات والجماعات الترابية. مبادرة لا تكتفي بدراسة النفايات، بل تعيد قراءة علاقة الإنسان بالمادة والموارد والمجال، وتبحث في كيفية تحويل المعرفة المحلية إلى حلول اقتصادية واجتماعية وبيئية قابلة للاستمرار.
خاتمة: هل نحتاج إلى تقنيات جديدة أم إلى ذاكرة جديدة؟
بعد أكثر من عشرين سنة على انشغالنا بهذه الإشكالية في دواوير الأطلس الصغير، لا يزال السؤال قائماً، بل أصبح أكثر إلحاحاً. كيف انتقلنا من مجتمعات كانت تحرص على عدم تبديد مواردها، إلى مجتمعات تنتج كميات متزايدة من النفايات، ثم تنفق موارد ضخمة لإبعادها عن أنظارها؟
وكيف أصبحت المعرفة التي راكمتها النساء في تدبير الموارد وإعادة الاستخدام أقل حضوراً في السياسات العمومية من الحلول التقنية المستوردة؟ ليس المقصود أن الماضي كان مثالياً، ولا أن الممارسات التقليدية قادرة وحدها على معالجة تعقيدات النفايات الحديثة. لكن من الخطأ أيضاً أن نتصور أن الحل يبدأ وينتهي بالتكنولوجيا والاستثمار والصفقات.
إن الأزمة الحقيقية ليست أننا لا نعرف كيف نتخلص من النفايات، بل أننا لم ننجح بعد في بناء مجتمع لا يهدر موارده، ولا ينقل مشكلاته إلى الآخرين، ولا يفصل بين نظافة فضائه ومسؤوليته تجاه البيئة.
من نساء الأطلس الصغير يمكن أن نتعلم أن الاقتصاد الدائري ليس مجرد مفهوم حديث، وأن الاستدامة لا تبدأ دائماً من المختبرات والمصانع، بل قد تبدأ من مطبخ قروي، ومن معرفة امرأة، ومن ممارسة يومية لم تجد طريقها إلى الاعتراف المؤسسي.
وإذا كانت المدن اليوم تبحث عن حلول لأزمة النفايات، فربما عليها أن تنظر قليلاً إلى الوراء، لا لتعود إلى الماضي، بل لتستعيد منه ما يمكن أن يساعدها على بناء المستقبل. فقبل أن نستثمر الملايين في التخلص من نفاياتنا، علينا أن نستثمر في المعرفة التي تمكننا من إنتاج نفايات أقل.
النفايات والإنسان: حين تسبق حكمة نساء الأطلس الصغير سياسات المدن بعشرين عاماً!
من ذاكرة الدواوير إلى أزمة التدبير الحضري… شهادة ميدانية تستعيد تجربة محلية وتطرح سؤالاً وطنياً ودولياً حول مصير المعرفة البيئية التي لا تجد طريقها إلى السياسات العمومية. لماذا لم تتحول المعرفة المحلية إلى سياسة عمومية؟