Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الأمازيغية بين الاعتراف الدستوري ورهانات التفعيل المؤسساتي: الجامعة الصيفية بأكادير تفتح نقاش السياسات العمومية ومستقبل الحركة الأمازيغية

متابعة اتيك ميديا

في سياق النقاش الوطني المتواصل حول وضعية اللغة والثقافة الأمازيغيتين ومستقبل تفعيل طابعهما الرسمي، تنظم جمعية الجامعة الصيفية بأكادير يومي 6 و7 نونبر 2026، بغرفة التجارة والصناعة والخدمات بأكادير، ندوات علمية وفكرية حول موضوع «الأمازيغية: السياسات والمؤسسات»، بمشاركة باحثين وأكاديميين وفاعلين في الحقل الثقافي والحقوقي والأمازيغي.

ويأتي تنظيم هذا اللقاء العلمي في مرحلة دقيقة من مسار القضية الأمازيغية بالمغرب، بعد مرور أكثر من عقد على دسترة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وصدور القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجالات الحياة العامة. وهي مكتسبات قانونية ودستورية مهمة، لكنها تطرح في الوقت ذاته أسئلة جوهرية حول مدى ترجمتها إلى سياسات عمومية ملموسة وإجراءات مؤسساتية قادرة على ضمان حضور فعلي ومنصف للأمازيغية في مختلف مناحي الحياة.

من الاعتراف الدستوري إلى سؤال السياسات العمومية

يشكل موضوع الندوات مناسبة لإعادة مساءلة السياسات العمومية الموجهة للنهوض بالأمازيغية، والوقوف عند حصيلة تدخلات المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ومدى قدرتها على الاستجابة لمطالب الحركة الأمازيغية وتطلعات المجتمع.

فبالرغم من الاعتراف الدستوري برسمية الأمازيغية، ما تزال عملية إدماجها في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والخدمات العمومية تواجه مجموعة من الإكراهات، سواء تعلق الأمر بالموارد البشرية والمالية، أو بضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية، أو ببطء تنزيل الالتزامات القانونية والمؤسساتية.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الانتقال من منطق الاعتراف الرمزي إلى منطق الحقوق اللغوية والثقافية، بما يجعل الأمازيغية لغة حاضرة في المؤسسات ومجالات إنتاج المعرفة والتواصل وتدبير الشأن العام.

الحركة الأمازيغية وسؤال تجديد الفعل الجماعي

ومن القضايا المركزية التي يثيرها هذا اللقاء العلمي موقع الحركة الأمازيغية في التحولات السياسية والمؤسساتية التي عرفها المغرب، ومدى قدرتها على تجديد أدوات اشتغالها وتطوير آليات الترافع والتأثير في السياسات العمومية.

فقد راكمت الحركة الأمازيغية، عبر عقود من النضال المدني والثقافي والحقوقي، رصيداً مهماً من المكتسبات، وأسهمت في جعل القضية الأمازيغية موضوعاً للنقاش العمومي والمؤسساتي. غير أن التحولات الراهنة تفرض عليها مراجعة أساليب العمل، وتعزيز التنسيق بين مكوناتها، وتطوير خطاب سياسي وحقوقي قادر على الانتقال من المطالب العامة إلى تقديم بدائل واقتراحات عملية.

كما يطرح النقاش مسألة العلاقة بين الفعل الثقافي والفعل السياسي، وحدود المشاركة في المؤسسات المنتخبة والحكومية، وإمكانيات التأثير في مراكز القرار، دون التفريط في استقلالية الحركة المدنية والنضالية.

المؤسسات ومسؤولية تفعيل رسمية الأمازيغية

لا يمكن الحديث عن مستقبل الأمازيغية دون الوقوف عند أدوار المؤسسات المكلفة بحمايتها والنهوض بها، وفي مقدمتها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إلى جانب القطاعات الحكومية والمؤسسات الدستورية المعنية باللغات والثقافة والإعلام والتعليم.

ويقتضي تقييم هذه التجربة طرح أسئلة تتعلق بمدى فعالية هذه المؤسسات، وحدود اختصاصاتها، وإمكانيات تدخلها، ومدى انسجام برامجها مع انتظارات المجتمع والالتزامات الدستورية.

كما أن تفعيل رسمية الأمازيغية لا ينبغي أن يظل مسؤولية قطاع حكومي واحد، بل يتطلب انخراطاً أفقياً ومتكاملاً لمختلف المؤسسات، وفق رؤية وطنية واضحة، وبرامج محددة زمنياً، وميزانيات كافية، وآليات للتتبع والتقييم والمساءلة.

نحو أفق جديد للقضية الأمازيغية

إن أهمية الندوات العلمية التي تنظمها الجامعة الصيفية بأكادير لا تكمن فقط في طرح الأسئلة المرتبطة بالحصيلة، بل أيضاً في فتح أفق للتفكير الجماعي في مستقبل القضية الأمازيغية، واستشراف السبل الكفيلة بتجاوز الاختلالات القائمة.

فالمطلوب اليوم هو بناء تصور متكامل يجعل من الأمازيغية رافعة للديمقراطية والمواطنة والتعدد الثقافي، ويضمن الإنصاف اللغوي والثقافي والمجالي، ويعزز حضورها في المدرسة والجامعة والإدارة والقضاء والإعلام ومختلف فضاءات الحياة العامة.

كما أن تجديد الفعل الأمازيغي يقتضي بناء جسور التعاون بين الباحثين والفاعلين المدنيين والحقوقيين والسياسيين، وتطوير خطاب نقدي واقتراحي يربط بين المطالب الثقافية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وفي المحصلة، تشكل هذه الندوات محطة علمية ونقاشية مهمة لإعادة طرح سؤال الأمازيغية في علاقته بالدولة والمجتمع والمؤسسات، وتقييم المسافة الفاصلة بين الاعتراف الدستوري والتفعيل الواقعي. فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسات الأمازيغية لن يكون في حجم النصوص القانونية أو عدد البرامج المعلنة، وإنما في أثرها الملموس على حياة المواطنات والمواطنين، وفي قدرة الأمازيغية على ممارسة مكانتها لغة رسمية وثقافة حية ومكوناً أساسياً من الهوية الوطنية المغربية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.