
الانتقال الإيكولوجي بتيزنيت.. هل اختُزلت الحصيلة البيئية في مشروع المطرح الإقليمي؟ وأين اختفى مشروعا الفرز والتثمين والمعالجة؟
بقلم الفاعل المدني سعيد رحم
يحتل قطاع البيئة والانتقال الإيكولوجي مكانة مهمة ضمن برنامج عمل جماعة تيزنيت للفترة 2023-2028، باعتباره أحد المداخل الأساسية لتحقيق تنمية مستدامة ومندمجة، والاستجابة للتحديات البيئية والصحية التي تواجه المدينة ومحيطها. وقد جرى إدراج هذا القطاع ضمن محور استراتيجي يحمل عنوان «التأهيل البيئي وتجويد خدمات القرب»، تُرجم إلى ثلاثة مشاريع هيكلية ومتكاملة في مجال تدبير النفايات ومعالجتها.
غير أن المتتبع للشأن المحلي، وللخرجات الإعلامية والتواصلية الأخيرة لبعض نواب رئيس المجلس الجماعي، يلاحظ مفارقة تستحق الوقوف عندها: تركيز كبير على مشروع المركز الإقليمي للطمر التقني للنفايات المنزلية ومثيلاتها، مقابل صمت لافت بشأن المشروعين الآخرين اللذين يشكلان جزءا لا يتجزأ من الرؤية البيئية التي التزم بها المجلس في برنامجه.
فالمشروع الأول، المتعلق بإحداث المركز الإقليمي للطمر التقني للنفايات المنزلية ومثيلاتها، رُصدت له ميزانية إجمالية تقدر بـ35 مليون درهم، وحددت مدة إنجازه في 36 شهرا، بشراكة مع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ووزارة الداخلية والتعاون اللامركزي. وهو المشروع الذي يجري الترويج له باعتباره أحد أبرز الأوراش البيئية بالمنطقة، مع الحديث عن قرب دخوله حيز الاستغلال.
ولا أحد يجادل في أهمية هذا المشروع، بالنظر إلى دوره في تحسين تدبير النفايات المنزلية والحد من الممارسات العشوائية في التخلص منها. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في تقديمه للرأي العام وكأنه يمثل وحده حصيلة السياسة البيئية للجماعة، أو كأن إنجازه يعني أن ملف الانتقال الإيكولوجي بتيزنيت قد بلغ نهايته.
فأين المشروعان الآخران من هذا الخطاب التواصلي؟
يتعلق المشروع الثاني بإحداث مركز لفرز وتثمين النفايات المنزلية ومثيلاتها، بميزانية تقدر بـ5 ملايين درهم، ومدة إنجاز محددة في 24 شهرا. وهو مشروع لا تقل أهميته عن مشروع الطمر التقني، بل يشكل حلقة أساسية في منظومة التدبير المستدام للنفايات، من خلال إرساء دعائم الاقتصاد الدائري والأخضر، وتفعيل عمليات الفرز الأولي والنهائي، وإعادة تثمين المواد القابلة للاسترجاع، وتقليص الكميات الموجهة إلى الطمر.
أما المشروع الثالث، فيتعلق بمواكبة إحداث مركز لفرز وتحويل النفايات الصناعية والطبية والصيدلية، بميزانية إجمالية تبلغ 11 مليون درهم، ومدة إنجاز تصل إلى 32 شهرا. ويستهدف معالجة إشكالات بيئية وصحية مرتبطة بالنفايات ذات الخصوصية، بما فيها النفايات الطبية والصيدلية غير الخطرة، والنفايات الصناعية، ومخلفات البناء والهدم، والفضلات الفلاحية، وذلك للحد من انتشار النقط السوداء داخل الأحياء وعلى مستوى الطرقات ومحيط المدينة.
وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن الحديث عن انتقال إيكولوجي متكامل، بينما يتم تسليط الضوء على مشروع واحد، في الوقت الذي يغيب فيه النقاش العمومي حول مصير المشروعين الآخرين، ومراحل تنزيلهما، والآجال المحددة لهما، ومدى تقدم التنسيق مع الشركاء المعنيين؟
إن الإشكال ليس في الترويج للمشروع الأول أو إبراز أهميته، بل في الانتقائية في التواصل بشأن برنامج عمل جماعي يتضمن التزامات واضحة ومشاريع مترابطة. فالمطرح التقني، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب منظومة متكاملة للفرز والتثمين والمعالجة، كما أن تقليص النفايات الموجهة للطمر يظل رهينا بوجود حلقات سابقة ولاحقة تضمن تدبيرا عقلانيا ومستداما لهذه النفايات.
ومن حق الساكنة أن تعرف أين وصلت هذه المشاريع، خصوصا أن الأمر يتعلق ببرنامج عمل صادق عليه المجلس، وبالتزامات مالية وزمنية وشراكات مؤسساتية يفترض أن تخضع للتتبع والتقييم والمساءلة.
ومن هذا المنطلق، تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها على المجلس الجماعي ونوابه:
ما هو الوضع الفعلي لمشروع مركز فرز وتثمين النفايات المنزلية، وهل انطلقت الإجراءات العملية لتنفيذه؟
ما هي المراحل التي بلغها مشروع معالجة النفايات الصناعية والطبية والصيدلية ومخلفات البناء والهدم؟
هل تم تأمين الاعتمادات المالية والشراكات الضرورية لتنزيل المشروعين؟
ما هي الأسباب التي تجعل التواصل المؤسساتي يركز على مشروع المطرح التقني، دون تقديم معطيات واضحة بشأن باقي مكونات البرنامج البيئي؟
وهل تتوفر الجماعة على جدول زمني محين ومعلن يوضح مراحل إنجاز المشاريع الثلاثة، ونسب تقدمها، والالتزامات المالية المرتبطة بها؟
إن الرهان الإيكولوجي بتيزنيت لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد خطاب إعلامي يحتفي بإنجاز واحد، مهما كانت أهميته، بل يجب أن يكون ورشا مؤسساتيا متكاملا، تُقاس نتائجه بمدى تنفيذ جميع المشاريع المبرمجة، واحترام آجالها، وتحقيق أهدافها البيئية والاجتماعية.
فالمطلوب اليوم ليس فقط الإعلان عن قرب افتتاح المطرح الإقليمي، بل تقديم كشف حساب واضح للرأي العام حول المشاريع البيئية الثلاثة مجتمعة: ما أُنجز منها، وما هو في طور الإنجاز، وما تعثر أو تأخر، ولماذا؟
فالتواصل المؤسساتي الحقيقي لا يقوم على انتقاء الإنجازات وتسويقها، وإنما على المصارحة بشأن المكتسبات والإكراهات والتأخيرات أيضا.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن اختزال الانتقال الإيكولوجي في تيزنيت في مجرد طمر النفايات، لأن الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق التخلص من النفايات إلى منطق فرزها وتثمينها ومعالجتها، ضمن منظومة متكاملة تحمي البيئة وتصون الصحة العامة وتستجيب لتطلعات الساكنة.
ثلاثة مشاريع مبرمجة، وثلاثة التزامات تستوجب التتبع والمساءلة… فهل يملك المجلس الجماعي الشجاعة التواصلية لتقديم الصورة كاملة، أم سيظل المشروع الأول وحده في الواجهة، بينما يبقى المشروعان الآخران خارج دائرة الضوء؟