Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

من أزمة الماء إلى استعادة الحكامة المائية: ائتلاف أملن يطرح إشكالية الواحات والمجالات الجبلية في القمة الأكاديمية للمياه بمراكش

من ذاكرة خطارات الأطلس الصغير إلى الحلول المستدامة: نحو نموذج تشاركي يجمع بين المعرفة العلمية والخبرة المحلية لحماية الماء والحضارة الواحية

مراكش – المملكة المغربية | 3 و4 نوفمبر 2026

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط المناخية والبيئية على الموارد المائية بالمناطق الجافة وشبه الجافة، لم تعد أزمة الماء مجرد إشكالية مرتبطة بتراجع التساقطات أو اختلال التوازن بين العرض والطلب، بل أصبحت قضية وجودية تمس استمرارية الأنظمة الواحية، واستقرار المجتمعات القروية، ومستقبل المجالات الجبلية، وما تختزنه من رصيد حضاري وثقافي وبيئي.

ومن هذا المنطلق، يشارك الائتلاف المدني من أجل البيئة بأملن (ACEA – تحالف أملن) في أشغال القمة الأكاديمية للمياه في الفضاء الناطق باللغة العربية، المنظمة تحت شعار: «المياه والثقافة والحضارة في الفضاء الناطق باللغة العربية»، يومي 3 و4 نوفمبر 2026، بمتحف محمد السادس لحضارة الماء بالمغرب – أمان، بمدينة مراكش.

وتأتي هذه القمة بمبادرة من سفارة المياه (Ambassade de l’Eau – AdE)، وبالتنظيم المشترك مع متحف أمان، بهدف إرساء فضاء أكاديمي وعلمي للتعاون وتبادل الخبرات بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات العمومية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والشباب.

وتشكل مشاركة تحالف أملن مناسبة لطرح إشكالية تدبير الموارد المائية بالمجالات الجبلية والواحات القروية، انطلاقاً من تجربة الأطلس الصغير، والمساهمة في النقاش حول الحلول الممكنة لتجاوز الاختلالات الراهنة وبناء نموذج مائي أكثر عدالة واستدامة.

أولاً: إشكالية الماء بالمجالات الجبلية والواحية: أزمة موارد أم أزمة تدبير وحكامة؟

تواجه المجالات الجبلية والواحية بجنوب المغرب تحديات متزايدة نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، من بينها توالي سنوات الجفاف، وعدم انتظام التساقطات المطرية، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية السطحية والجوفية، إلى جانب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها المجتمعات القروية.

غير أن الإشكالية لا تتوقف عند محدودية الموارد المائية، بل تمتد إلى طبيعة أنظمة تدبيرها، ومدى قدرتها على التكيف مع التحولات المناخية والديمغرافية والاقتصادية.

ففي عدد من الواحات والمجالات الجبلية، أصبحت المنشآت المائية التقليدية، من خطارات وسواقي وعيون وأحواض وشبكات ري جماعية، تواجه تحديات مرتبطة بالتدهور والإهمال وضعف الصيانة وتراجع المشاركة الجماعية في تدبيرها.

كما أدى تغير أنماط العيش والهجرة وتراجع النشاط الفلاحي التقليدي في بعض المجالات إلى إضعاف منظومات التضامن والتدبير الجماعي التي شكلت، تاريخياً، إحدى أهم ضمانات العدالة المائية واستمرارية الواحات.

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية:

كيف يمكن حماية الموارد المائية المحدودة وضمان استدامتها في ظل التغيرات المناخية؟

كيف يمكن إعادة الاعتبار للأنظمة المائية التقليدية وتكييفها مع المتطلبات التقنية والعلمية المعاصرة؟

ما السبل الكفيلة بتحقيق العدالة في توزيع المياه وضمان حقوق مختلف المستعملين؟

كيف يمكن إشراك الساكنة المحلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير الموارد المائية؟

كيف يمكن تحويل التراث المائي من ذاكرة مهددة بالاندثار إلى رافعة للتنمية والصمود المناخي؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي تجاوز المقاربات القطاعية والتدخلات الظرفية، واعتماد رؤية ترابية مندمجة تجعل الماء محوراً للتنمية المستدامة والعدالة المجالية.

ثانياً: تجربة أملن والأطلس الصغير: حين تتحول الذاكرة المائية إلى معرفة قابلة للاستثمار

في وادي أملن، بالمجال الترابي لتافراوت، راكمت المجتمعات المحلية عبر أجيال متعاقبة خبرة مهمة في تدبير المياه وتعبئتها وتوزيعها، من خلال منظومات تقليدية ارتبطت بالخصوصيات الطبيعية والمناخية للمجال.

فالخطارات والسواقي والعيون والأحواض والمنشآت المائية التقليدية لم تكن مجرد تجهيزات تقنية، بل كانت جزءاً من نظام اجتماعي واقتصادي وثقافي متكامل، يقوم على التعاون والتضامن والتقاسم المنظم للمياه وصيانة المنشآت بشكل جماعي.

وتبرز منطقة إمي نتيزخت أهمية هذه المنظومة، باعتبارها نموذجاً للعلاقة المتكاملة بين الماء والأرض والزراعة الواحية والتنظيم الاجتماعي.

وتكشف هذه التجربة أن المجتمعات المحلية لم تكن مجرد مستهلك للمياه، بل كانت فاعلاً أساسياً في إنتاج المعرفة المائية وتطوير آليات تدبير الندرة والتكيف مع محدودية الموارد.

ومن هنا، يطرح تحالف أملن سؤالاً أساسياً: لماذا لا تتحول هذه الخبرات المحلية إلى مرجع أساسي في إعداد السياسات العمومية والاستراتيجيات الحديثة للتكيف مع التغيرات المناخية؟

إن استعادة هذه الذاكرة لا تعني العودة الحرفية إلى الماضي، وإنما استلهام مبادئها التنظيمية والتقنية والاجتماعية، وتطويرها بالاستناد إلى البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيات الحديثة.

ثالثاً: من تشخيص الإشكالية إلى اقتراح الحلول: نحو استراتيجية مائية ترابية مندمجة

انطلاقاً من خصوصيات المجالات الجبلية والواحية، ومن التجربة التاريخية للمجتمعات المحلية بالأطلس الصغير، يمكن بلورة مجموعة من المقترحات العملية التي من شأنها الإسهام في تعزيز الأمن المائي والاستدامة البيئية.

1. إعادة تأهيل التراث المائي التقليدي

إطلاق برامج ترابية لتشخيص وجرد وتصنيف المنشآت المائية التقليدية، وإعادة تأهيل الخطارات والسواقي والعيون والأحواض وشبكات الري الجماعية، وفق مقاربة تجمع بين الخبرة المحلية والدراسات التقنية والعلمية.

وينبغي أن تتجاوز هذه البرامج منطق الترميم المادي إلى إعادة إحياء الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لهذه المنشآت.

2. حماية مناطق تغذية الفرشات المائية والعيون

اعتماد تدابير لحماية المجالات الطبيعية التي تساهم في تغذية الموارد المائية، ولاسيما المرتفعات والمنحدرات والأحواض المائية، من خلال الحد من تدهور التربة والانجراف، وإعادة تأهيل الغطاء النباتي، وتشجيع تقنيات المحافظة على المياه والتربة.

كما يتعين تطوير برامج محلية لتجميع مياه الأمطار وتعزيز تغذية الفرشات المائية كلما سمحت الخصائص الجيولوجية والهيدرولوجية بذلك.

3. إرساء حكامة تشاركية وعادلة للماء

تقوية دور جمعيات مستعملي المياه والتنظيمات المحلية والتعاونيات والهيئات المدنية في تدبير الموارد المائية، مع تطوير آليات واضحة للتشاور واتخاذ القرار والمراقبة والتقييم.

كما ينبغي إرساء قواعد شفافة لتوزيع المياه، تراعي العدالة بين المستعملين وتحمي حقوق الفئات الهشة، وتضمن استمرارية الأنشطة الفلاحية الواحية.

4. اعتماد حلول قائمة على الطبيعة والتكيف المناخي

تشجيع الممارسات التي تعزز قدرة المجالات الجبلية والواحية على مواجهة الجفاف، من خلال استعادة الغطاء النباتي المحلي، وحماية المدرجات الزراعية، والحد من انجراف التربة، وتثمين الأنواع الزراعية المحلية المتأقلمة مع الظروف المناخية الجافة.

كما يتعين تطوير مشاريع صغيرة وملائمة لتجميع مياه الأمطار وتخزينها واستعمالها بكفاءة، وفق دراسات تراعي خصوصيات كل مجال.

5. تطوير المعرفة العلمية والبحث الميداني

تعزيز الشراكة بين الجامعات ومراكز البحث والجماعات الترابية ومنظمات المجتمع المدني، لإنجاز دراسات ميدانية حول الموارد المائية والأنظمة التقليدية وسبل إعادة تأهيلها.

ومن المهم إحداث قاعدة بيانات ترابية حول العيون والخطارات والسواقي والآبار والأحواض المائية، وتوثيق المعارف المحلية المرتبطة بها، بما يسمح بتوجيه القرارات والاستثمارات وفق معطيات علمية دقيقة.

6. الاستثمار في التربية المائية وتعبئة الشباب

إدماج التربية المائية والبيئية في البرامج التعليمية والأنشطة الجمعوية والثقافية، وإطلاق مبادرات شبابية للتوعية بأهمية المحافظة على الماء، وتوثيق التراث المائي، والمساهمة في مراقبة الموارد الطبيعية وصيانتها.

فالشباب ليسوا مجرد مستفيدين من السياسات المائية، بل شركاء أساسيون في تصميمها وتنفيذها وتقييم نتائجها.

7. تعبئة التمويلات والشراكات من أجل المشاريع المحلية

تطوير آليات للشراكة بين المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية، بهدف تعبئة الموارد المالية والتقنية اللازمة لإنجاز مشاريع ملموسة لحماية التراث المائي وتعزيز الأمن المائي بالمناطق الجبلية والواحية.

رابعاً: المجتمع المدني شريك في بناء السياسات المائية وليس مجرد فاعل للتحسيس

إن التحديات المائية الراهنة تفرض إعادة النظر في موقع المجتمع المدني ضمن منظومة الحكامة المائية، بحيث لا يقتصر دوره على التوعية والتحسيس، بل يمتد إلى المساهمة في التشخيص الميداني، وإنتاج المعرفة، واقتراح الحلول، والترافع المؤسساتي، وتتبع تنفيذ البرامج والمشاريع.

ومن هذا المنطلق، يسعى تحالف أملن إلى تعزيز التواصل بين المجتمعات المحلية والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات المعنية، وإبراز أهمية التجارب الترابية باعتبارها مختبراً حقيقياً لاختبار الحلول المستدامة.

كما يدعو إلى اعتماد مقاربة تشاركية تضمن حضور الساكنة المحلية والنساء والشباب ومختلف مستعملي المياه في صياغة القرارات المتعلقة بمستقبل الموارد المائية.

فلا يمكن بناء حكامة مائية ناجعة دون الاعتراف بدور المجتمعات التي راكمت خبرة تاريخية في تدبير الندرة، ودون توفير الظروف المؤسساتية والمالية التي تسمح لها بالمشاركة الفعلية في حماية مواردها.

خامساً: قمة مراكش فرصة لتحويل الحوار العلمي إلى التزامات عملية

تكتسب القمة الأكاديمية للمياه أهمية خاصة بالنظر إلى طموحها في إرساء الشبكة الأكاديمية الناطقة باللغة العربية للمياه، وتشكيل لجنة توجيهية لتطويرها، وتعزيز شبكة الاتحاد العالمي لسفراء المياه الشباب، واعتماد إعلان مراكش للمياه واللغة العربية.

وتفتح هذه المبادرات المجال أمام بناء تعاون علمي ومؤسساتي أوسع، وتطوير فضاء مشترك لإنتاج المعرفة باللغة العربية وتبادل الخبرات بين مختلف البلدان والمجتمعات.

وفي هذا السياق، يرى تحالف أملن أن نجاح هذه الدينامية ينبغي أن يقاس بمدى قدرتها على تحويل التوصيات العلمية إلى برامج ومشاريع ميدانية، وإيجاد آليات عملية لربط البحث الأكاديمي بحاجيات المجتمعات المحلية، خصوصاً في المناطق الجبلية والواحية الأكثر هشاشة أمام التغيرات المناخية.

كما تبرز الحاجة إلى إيلاء أهمية خاصة للمجالات القروية الصغيرة، التي غالباً ما تكون تجاربها ومعارفها بعيدة عن مراكز إنتاج القرار، رغم ما تختزنه من حلول قابلة للتطوير والتعميم.

خاتمة: هل نستطيع بناء مستقبل مائي جديد انطلاقاً من حكمة الماضي؟

إن أزمة الماء بالمجالات الجبلية والواحية ليست قدراً محتوماً، بل هي تحدٍّ يستدعي إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والماء والطبيعة، والانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى التخطيط الاستباقي والاستدامة الترابية.

وتؤكد تجربة أملن والأطلس الصغير أن حماية الماء تبدأ بحماية مصادره ومنظوماته الطبيعية، وإعادة الاعتبار للمعارف المحلية، وصيانة المنشآت التقليدية، وتعزيز التضامن والحكامة التشاركية.

ومن خلال مشاركته في القمة الأكاديمية للمياه بمراكش، يطمح تحالف أملن إلى المساهمة في جعل قضايا الواحات والمجالات الجبلية جزءاً أساسياً من النقاش الأكاديمي والمؤسساتي حول مستقبل المياه، والدفع نحو بناء شراكات علمية وميدانية تترجم هذه الرؤية إلى مشاريع ملموسة.

إن الرهان الحقيقي ليس فقط كيف نحصل على المزيد من المياه، بل كيف نحمي ما تبقى منها، وكيف ندبرها بعدالة، وكيف نضمن استمرارها للأجيال القادمة.

فمن خطارات الأطلس الصغير إلى منصات الحوار العلمي الدولي، تظل الرسالة واضحة: الماء ذاكرة وحضارة وحق مشترك ومسؤولية جماعية، وحمايته مسؤولية تتقاسمها الدولة والمؤسسات والباحثون والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.