
تيزنيت واقتصاد الافتراس: حين تتحول الثروة العقارية والامتيازات إلى ريع على حساب التنمية المحلية
بقلم الفاعل المدني سعيد رحم
تُعد مدينة تيزنيت، بحكم موقعها الجغرافي ومؤهلاتها الاقتصادية والمجالية، إحدى الحواضر الواعدة بجهة سوس ماسة. غير أن مسارها التنموي لا يزال محكوماً بإشكالات بنيوية تعيق تحولها إلى قطب اقتصادي منتج وقادر على خلق الثروة وفرص الشغل. وفي صلب هذه الإشكالات يبرز ما يمكن الاصطلاح عليه بـ «اقتصاد الافتراس» (L’économie de prédation)، باعتباره نمطاً اقتصادياً ريعياً لا يراهن على الابتكار والاستثمار المنتج والمغامرة المقاولاتية، بقدر ما يقوم على اقتناص الامتيازات، واستغلال الإعفاءات، والحصول على الرخص الاستثنائية، والمضاربة العقارية.
إن الإشكال الجوهري الذي تعاني منه تيزنيت لا يرتبط فقط بضعف الاستثمارات، بل يتجسد أساساً في غياب اقتصاد محلي حقيقي قادر على إنتاج الثروة وخلق القيمة المضافة. فبدلاً من أن تتحول المدينة إلى فضاء جاذب للاستثمارات المنتجة، ومحرك للتنمية ومجال لاحتضان المبادرات المقاولاتية، ظل نسيجها الاقتصادي عاجزاً عن تجاوز حدود التجارة التقليدية والخدمات الهشة والأنشطة الموسمية. كما أن غياب مشاريع اقتصادية مهيكلة، قادرة على استيعاب الكفاءات واليد العاملة وتحريك الدورة الاقتصادية المحلية، جعل المدينة تدور في حلقة مفرغة من الاستهلاك والأنشطة محدودة القيمة المضافة، دون إقلاع اقتصادي ذاتي ومستدام.
وفي ظل هذا الفراغ الإنتاجي، تجد شبكات المصالح والريع فرصاً لتوسيع نفوذها عبر استغلال الثغرات القانونية والإدارية، خصوصاً في المجال العقاري والجبائي. ومن بين الممارسات التي تستدعي التدقيق والمراقبة، حالات الاستفادة من الإعفاءات المرتبطة بالأراضي غير المبنية، أو اقتناء عقارات وتصنيفها ضمن الأراضي ذات الطابع الفلاحي، والاستفادة تبعاً لذلك من امتيازات وإعفاءات موجهة أصلاً لتشجيع النشاط الفلاحي المنتج، بينما تكون الغاية الفعلية، في بعض الحالات، هي الاحتفاظ بالأرض وتجميدها للمضاربة وانتظار ارتفاع قيمتها السوقية، أو إعادة بيعها بأثمان مرتفعة.
إن أي استغلال صوري للأنظمة الجبائية، متى ثبت، لا يمثل مجرد تحايل على القواعد الضريبية، بل يشكل اعتداءً على مبدأ العدالة الجبائية، ويحرم الجماعة الترابية من موارد مالية كان من المفترض أن تساهم في تمويل التجهيزات الأساسية والمرافق والخدمات العمومية. وهكذا تتحول الأراضي إلى أوعية لتجميد الثروات وتراكم الأرباح، بدل أن تكون رافعة للاستثمار والإنتاج والتنمية.
ولا يقتصر هذا المنطق على العقار الحضري، بل يمتد أيضاً إلى مجال الاستثمار الفلاحي، حيث تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام الغايات التي أُحدثت من أجلها بعض الامتيازات والدعم العمومي. فالدعم الموجه لتشجيع الاستثمار الفلاحي وتطوير الإنتاج ينبغي أن يخدم الفلاحين والمنتجين والاقتصاد المحلي، لا أن يتحول إلى وسيلة لاحتكار الأراضي أو الاستفادة من الامتيازات دون تحقيق الأهداف الإنتاجية والتنموية المعلنة.
كما لم تسلم المشاريع المرتبطة بالشريط الساحلي لأكلو والمركبات السياحية من إشكالات تثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة الاستثمار العقاري والسياحي، ومدى ارتباطه برؤية تنموية مستدامة. فبدلاً من بناء عرض سياحي متكامل يخلق فرص الشغل، ويثمن المؤهلات الطبيعية والثقافية للمنطقة، ويعود بالنفع على الساكنة المحلية، يبرز خطر اختزال الاستثمار في إقامة مشاريع عقارية وسكنية تستفيد من قيمة الموقع وامتيازاته، دون ضمان مردودية اقتصادية واجتماعية حقيقية.
وتزداد هذه التساؤلات أهمية عندما يتعلق الأمر بمشاريع تحيط بها إشكالات قانونية أو عقارية أو بيئية، أو تتداخل فيها مصالح شركات عقارية ووداديات سكنية وجهات ذات نفوذ. وهي ملفات تستوجب، متى وجدت مؤشرات جدية على وجود اختلالات، افتحاصاً إدارياً وقانونياً ومالياً شفافاً، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيداً عن منطق التشهير أو إطلاق الأحكام المسبقة.
إن المشهد الاقتصادي الذي يهدد المدينة يقوم، في جوهره، على فلسفة واحدة: «لا تجازف بالاستثمار المنتج، بل ابحث عن الريع والاستثناء». فبدلاً من التنافس في سوق تحكمه قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، يصبح الرهان لدى بعض الفاعلين هو الاقتراب من دوائر القرار، واستثمار العلاقات والنفوذ، والبحث عن الإعفاءات والرخص الاستثنائية، والتأثير في وثائق التعمير والتصاميم بما يخدم مصالح خاصة.
وهنا تكمن خطورة اقتصاد الافتراس؛ فهو لا يكتفي باقتناص الفرص، بل يساهم في إضعاف شروط المنافسة الاقتصادية السليمة، ويجعل الاستثمار المنتج أقل جاذبية من المضاربة والبحث عن الامتيازات الجاهزة.
إن كلفة هذا النموذج على تيزنيت تتجاوز الخسائر الجبائية المباشرة، لتطال مستقبل المدينة وموقعها الاقتصادي. وتتجلى هذه الكلفة في استمرار ضعف النسيج الإنتاجي، وهشاشة فرص الشغل، وتفاقم أزمة العقار والسكن، واستنزاف الموارد المجالية، وإضعاف جاذبية المدينة أمام المستثمرين الجادين. كما أن غياب مناخ اقتصادي قائم على الشفافية وتكافؤ الفرص يدفع بالكفاءات والمبادرات المقاولاتية ورؤوس الأموال المنتجة إلى البحث عن بيئات أكثر إنصافاً واستقراراً.
إن معركة تحرير تيزنيت من اقتصاد الافتراس ليست مجرد معركة ضد بعض الممارسات العقارية أو الاختلالات الجبائية، بل هي معركة من أجل إعادة بناء النموذج الاقتصادي المحلي برمته.
وهذا يقتضي إرادة سياسية ومؤسساتية حقيقية، تبدأ بتعزيز الشفافية في تدبير العقار والتعمير، ومراجعة طرق الاستفادة من الإعفاءات والامتيازات، وتفعيل المراقبة الجبائية، والتصدي لكل أشكال التحايل على القانون، مع إخضاع المشاريع العقارية والسياحية والفلاحية لمعايير واضحة تضمن احترام الالتزامات القانونية والبيئية وتحقيق المنفعة الاقتصادية والاجتماعية.
كما يقتضي الأمر الانتقال من اقتصاد قائم على اقتناص الريع إلى اقتصاد منتج، عبر تشجيع المقاولات المحلية، وتطوير المناطق والفضاءات المخصصة للأنشطة الصناعية والحرفية، وتثمين المنتوجات المحلية، وربط الاستثمار الفلاحي والسياحي بسلاسل إنتاج وتسويق تخلق قيمة مضافة وفرص شغل مستدامة.
فلا يمكن لمدينة أن تحقق تنمية حقيقية بينما تتحول أراضيها إلى مخازن للمضاربة، وإعفاءاتها إلى فرص للاغتناء، ورخصها إلى امتيازات انتقائية. ولا يمكن الحديث عن الإقلاع الاقتصادي في غياب اقتصاد محلي يصنع الثروة بدل الاكتفاء بتداولها واستهلاكها.
تيزنيت لا تحتاج إلى مزيد من اقتصاد الامتيازات والاستثناءات، بل تحتاج إلى اقتصاد منتج، وإدارة شفافة، وعدالة جبائية، واستثمار مسؤول يجعل من الثروة المجالية رافعة للتنمية لا أداة للاغتناء الريعي.