
وداعاً حميد برادة… وداعاً لذاكرة جيل
بقلم: مصطفى اللويزي
وداعاً السيد الرئيس…
وداعاً حميد برادة…
هناك أسماء لا نلتقي أصحابها بالضرورة، لكننا نكبر وهي تسكن ذاكرتنا. أسماء نعرفها قبل أن نعرف أصحابها، ونستحضرها كلما عدنا إلى صفحات من تاريخنا، وكأنها علامات مضيئة على طريق طويل من النضال والأسئلة والأحلام.
كان حميد برادة واحداً من هذه الأسماء.
كنا، نحن الطلبة، نتلو اسمه كلما اقتضى الأمر العودة إلى كرونولوجيا الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (UNEM). كان اسماً حاضراً في تلك الصفحات التي كنا نقرأها بشغف، وفي النقاشات التي كانت تجعل من التاريخ شيئاً حياً، لا مجرد تواريخ وأسماء.
كان حميد برادة رئيساً للاتحاد الوطني لطلبة المغرب ما بين 1962 و1964، في مرحلة دقيقة ومفصلية من تاريخ المغرب.
وكنا نعلّق صوره بالأبيض والأسود، صوراً لا تظهر فيها ملامح الرجل دائماً بوضوح، لكن اسمه كان واضحاً في ذاكرتنا. كنا نستعيده بفخر، باعتباره واحداً من جيل آمن بالديمقراطية والحرية، ودفع ثمناً باهظاً من أجل قناعاته.
كان من بين الذين حُكم عليهم بالإعدام غيابياً سنة 1963. عاش في السرية داخل المغرب، ثم اختار المنفى، ولم يُسمح له بالعودة إلى وطنه إلا سنة 1978.
لكن حميد برادة لم يكن مجرد فصل في تاريخ الحركة الطلابية، ولا مجرد اسم في ذاكرة المعارضة المغربية.
كان صحفياً شغوفاً بمهنته، وصاحب قلم يعرف كيف يختصر الكثير في كلمات قليلة. وفي الصحافة وجد فضاءً آخر لمواصلة حضوره، وممارسة شغفه، ومواكبة التحولات الكبرى التي كانت تعرفها المنطقة.
تولى رئاسة تحرير أسبوعية Jeune Afrique ما بين 1974 و1985، في واحدة من الفترات التي كانت فيها المجلة من أبرز المنابر الصحفية والسياسية في إفريقيا والعالم العربي.
أما أنا، فقد بدأت أقرأ مقالات حميد برادة في منتصف تسعينيات القرن الماضي.
كنت أقرأه كما يقرأ المرء صحفياً يحمل، خلف كل مقال، شيئاً من تاريخ زمنه.
فالرجل لم يكن صحفياً عادياً. لقد صاحب كبار الشخصيات السياسية، ورافق المؤسسين الأوائل للعمل السياسي والحزبي المغربي، وعاش عن قرب مراحل وتحولات كان كثير من تفاصيلها لا يصل إلى القارئ إلا من خلال أسماء قليلة من الصحفيين الذين كانوا يعرفون كيف يقتربون من الحدث دون أن يفقدوا مسافتهم المهنية.
كان حميد برادة قليل الظهور، قليل الكلام.
لكن أحاديثه المختصرة كانت توحي دائماً بأن وراء الرجل تاريخاً ثقيلاً من التجربة والشهادات والذاكرة.
كان يكفي أن يستمع المرء إليه حتى يشعر بأن هناك أشياء كثيرة يعرفها، وأشياء أكثر اختار ألا يقولها.
ولعل هذا هو أكثر ما يؤسف له اليوم.
فحميد برادة لم يتحدث كثيراً عن نفسه، ولم يكتب عن تجربته السياسية والصحفية بالقدر الذي كان يستحقه. لم يترك لنا، كما كنت أتمنى دائماً، شهادته الشخصية الكاملة عن تلك السنوات التي عاشها في قلب الأحداث، وعن الأشخاص الذين عرفهم، وعن المنفى، وعن الصحافة، وعن المغرب الذي كان يراه من الداخل تارة ومن الخارج تارة أخرى.
وبعد تجربته الطويلة في Jeune Afrique، واصل حميد برادة مساره الصحفي، فتولى رئاسة قسم أخبار Maghreb-Moyen Orient في قناة TV5، وظل قريباً من الملفات السياسية والتحولات التي عرفتها المنطقة.
ومن بين المحطات اللافتة في مسيرته الصحفية أنه كان، إلى حدود الآن، الصحفي المغربي الوحيد الذي أنجز حواراً فردياً مع الملك الراحل الحسن الثاني لفائدة برنامج تلفزيوني خاص بإحدى القنوات الكندية، قبل أن تنشر بعض مقاطعه لاحقاً في Jeune Afrique.
رحل حميد برادة مساء الجمعة، عن عمر ناهز 87 سنة.
رحل صحفي، ومناضل سابق، ورجل من جيل حمل على كتفيه جزءاً ثقيلاً من تاريخ المغرب الحديث.
ورحل أيضاً شاهد من شهود زمن كان للكلمة فيه ثمن، وللموقف تبعات، وللصحافة معنى يتجاوز مجرد ممارسة مهنة.
حين أستعيد اليوم صورة حميد برادة بالأبيض والأسود، تلك الصور التي كنا نعلقها ونحن طلبة، أفكر في المسافة الطويلة التي تفصل بين تلك الصورة الصامتة وبين الرجل الذي كان يقف خلفها؛ رجل عاش تجربة سياسية قاسية، ثم حمل ذاكرته إلى الصحافة، وظل حتى النهاية قليل الكلام عن نفسه.
ربما لهذا السبب تحديداً سيظل حميد برادة حاضراً في الذاكرة.
ليس فقط لأنه كان رئيساً للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ولا لأنه عاش المنفى، ولا لأنه ترأس تحرير Jeune Afrique، ولا لأنه مارس الصحافة لعقود…
ولكن لأنه كان جزءاً من جيل كامل، جيل ترك بصمته في تاريخ هذا البلد، واختار بعض رجاله أن يقولوا الكثير، بينما اختار آخرون، مثل حميد برادة، أن يتركوا آثارهم تتحدث عنهم.
اليوم، ونحن نودعه، لا نملك سوى أن نستعيد اسمه بكل ما يحمله من ذاكرة.
وداعاً السيد الرئيس…
وداعاً حميد برادة…
وداعاً لذاكرة جيل.
لروح الفقيد الطاهرة الرحمة والسلام، ولأسرته ورفاقه ومحبيه وقرائه خالص العزاء والمواساة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.