
حضور المهدي بن بركة في متن عبد الله العروي
بقلم: محمد زاوي
ملتقى_النظر
يحضر المهدي بن بركة في عدد من نصوص عبد الله العروي حضورا رئيسيا، وفي أخرى يحضر عرضيا أو يمرّ عليها طيفه مرورا يُدخِل “تقنويته” في استراتيجية كبرى من الوعي النظري الحديث. يحضر في “ماركسيته الموضوعية” من باب مواجهة الإمبريالية وتجاوز “الفوات التاريخي”، وفي الموقف من التراث من باب تجاوز قيوده على عملية التحديث، كما يحضر في مسائل أخرى حيث التقاطع بين تقنية التحديث وفلسفتها..
أما علاقة العروي بابن بركة فهي أعمق من علاقة فكرية أو سياسية، فربما تجاوزت ذلك لترخي بظلالها على ذاكرة العروي ونفسانيته.. ولا أدل على ذلك من أمرين على الأقل.. أولهما عندما أدخل العروي نفسه في زمرة “حملة فكر المهدي بن بركة” في محاضرته “المهدي بن بركة ومسألة الوحدة الترابية” عام 1977.. وثانيهما بذكره في آخر أعماله “دفاتر كوفيد” في سياق حديثه عن توتر العلاقات الأمنية بين المغرب وفرنسا. صحيح أن الاستحضارين معا كانا مشمولين بروابط فكرية في الحالة الأولى، وضرورة تأريخية في الحالة الثانية (بوضع اليد على نقطة البداية في التوتر الأمني بين البلدين؛ غير أن الذكري في التحليل النفسي، فكرية كانت أو توثيقية وتاريخية، لا تخلو من حضور نفساني ووجداني..
في نفس الإطار يمكن الحديث عن اختيار العروي لابن بركة نموذجا لـ”التقنيين” -“دعاة التقنية”- المغاربة؛ هؤلاء الذين “ينفون بعنف فكرة الخصوصية، حتى على أنفسهم(…) يعتقدون أن المسيرة البشرية واحدة، فلا يتشككون في منطلقاتها ولا في أهدافها، مسيرة تقاس كما وتفرض تلقائيا وسائل تحقيقها. ما من مشكلة تعترض الإنسان إلا ولها حل تقني أكانت اقتصادية أو سياسية، بل حتى إذا كانت أمس الحياة الفردية” (عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، 2011، ص 69، بتصرف صرفي يتوافق مع السياق اللغوي)
وكنموذج لهذا النوع من التفكير، يعود العروي إلى كتيب “نشره المهدي بن بركة سنة 1958 بعنوان “نحو مجتمع جديد” أكد فيه: “هناك ثلاثة شروط يضمن توفرها النجاح ويؤدي انعدامها إلى الفشل المحقق، وهي أولا قيادة شعبية قوية، ثانيا تخطيط اقتصادي واجتماعي، وثالثا مشاركة الشعب في صياغة وتنفيذ سياسة الدولة” (ص 25). لا سؤال ولا استشكال خارج دائرة هذه الشروط، لا نقاش عن مدى أصالتها واتفاقها مع “خصوصية أخلاقية أو فلسفية أو وجدانية”.. هناك قانون واحد يصدق على جميع أفراد “الإنسان العالمي”، على جميع المجتمعات بما هي بنى تنتظم بنفس القوانين والقواعد.
يعلق العروي على وجهة النظر هذه بالقول: “لا مجال إذن لطرح مسألة الأصالة. الأمر واضح إما الميل مع منطق الغيب والتوكل وإما العمل وقبول كل متطلباته. لا تقل أبدا: أي عمل؟ العمل واحد أكان في مصر، الهند أو الصين. لا معنى في هذا الإطار لمفهوم المسخ الذي استعمله علال الفاسي. إن التأميم، الإصلاح الزراعي، التصنيع، هذه مسائل تقنية مجردة من كل مدلول اجتماعي. كذلك التعبئة الجماهيرية، التوعية الثقافية، الحزب الواحد الزعيم المطاع، هذه وسائل تقنية هي الأخرى ناتجة حتما عن الأولى، فلا معنى لوضعها محل نقاش بعد أن نكون قد قررنا أننا نعيش في هذه الدنيا ولا نستبق الآخرة” (ص 69-70).
ورغم المسافة التي يتخذها العروي تجاه النماذج الثلاثة: الشيخ (محمد عبده/ علال الفاسي) وداعية (لطفي السيد/ حزب الشورى والاستقلال) السياسة والتقني (سلامة موسى/ المهدي بن بركة)؛ إلا أنه يميل إلى هذا الصنف الأخير، ويبدي تعاطفا معه.. فربما هو الأقرب إلى “القطيعة المنهجية” التي يقترحها مع التراث (هناك فرق بين “القطيعة المنهجية مع التراث” و”القطيعة من التراث”)، وإن كانت هذه القطيعة تمر عبر “نقد الليبرالي/ داعية السياسة التراث”، وإن كان “داعية التقنية” هو نفسه مرتبكا في مجتمع مرتبك، وإن كانت تقنيته نفسها مدخولة ومحدودة بحدوده التاريخية..
تعود الجذور الاجتماعية لـ”داعية التقنية” إلى البورجوازية الصغيرة بما هي طبقة “فوضوية وفردانية”، تتسم بالانتهازية والتلون في مواقفها السياسية والفكرية على العموم.. إلا أن مواقف “داعية التقنية” في المجتمع العربي تبلورت عكس حقيقته الاجتماعية، فكان يميل إلى الحدية والوضوح والاندفاع في موافقه ومطالبه مؤكدا بذلك حالة الانفصام بين “واقعنا الاجتماعي” و”وعي أفراده”.. المهدي بن بركة نموذج لهذه الحالة، “بورجوازية صغيرة” قادها وعي خاص إلى التضحية والانهماك النفسي والذهني والبدني في مطلب “التحديث التقني”، التحديث بما يفرضه من إخضاع كافة المجالات لمنطق “الحساب والعدّ” (راجع “مفهوم الدولة” لعبد الله العروي).
يشرح العروي هذه الحالة من الانفصام بقوله: “أين نجد هذه العقلية الإنجازية التي توحد كل الأشياء في مقولات عامة مجردة؟ لا نجدها يقينا في المساجد ولا في الجامعات ولا في المصانع حيث العقلانية الصناعية محدودة بتشتت النقابات وبالنزاعات العرقية وبالخمول الموروث عن الحياة الفلاحية وبانخفاض الإنتاج. يغزو هذا الوعي التقنوي شرائح البورجوازية الصغيرة دون أن نلاحظ فيه ما يعزى عادة لتلك الشرائح من فوضوية وفردانية. إن المثقف المنحدر من البورجوازية الصغيرة يحمل دعوة تناقض أصولا وأهدافا ظروف حياته وميوله النفسانية. وما ذلك إلا نتيجة أخرى للانفصام الموجود في مجتمعنا بين الوعي والواقع”. (ص 70-71)
لم يكن العروي بعيدا عن السياسة، نظرا كانت هذه السياسة أو ممارسة، علما أو “عالَما” (بتعبيره).. ولم يسبق له أن فارقها أو اعتزلها، إلا باعتزال أشكال دون أخرى؛ فبقيت إشكالياتها وقضاياها حاضرة في تفكيره إلى اليوم. هذا ما تؤكده مذكرته الأخيرة “دفاتر كوفيد”. مارسها جزءا من المجتمع من خلال “حركيته” الوطنية الأولى في باريس زمن الحماية (في روايته/ سيرته الذهنية “أوراق” ذكر لذلك)، ومن خلال علاقته ببعض رموز الحركة الوطنية (أبرزهم المهدي بن بركة الذي شارك العروي في تحرير القسم الأكبر من كتابه “الاختيار الثوري”)، كذا بعمله الحزبي المؤقت مقربا من “الاتحاد” ومرشحا باسمه..
كما مارس العروي السياسة جزءا من استراتيجية الدولة عبر الواجهة الثقافية والنخبوية، ومنها ما كان يسنَد إليه من مهام المرافعة عن مغربية الصحراء. إلا أنه أختار بعد حين ممارسة سياسة خاصة، سياسة استراتيجية لسانها “الثقافة”.. فاختار سبيل الاكتفاء بإخضاع واقعنا للنظر، والتركيز على إصلاح العالق من أعطاب وعي النخبة المغربية/ العربية، كذا إيضاح الغاية “الحتمية” لتطورنا التاريخي بعيدا عن أساليب الدعاية السياسة التي تنظر إلى الحاضر أكثر مما تنظر إلى المستقبل، وتأسرها المحافظة أكثر مما تلهمها ضرورة التغير والتغيير. وقد بقي العروي إلى حدود اليوم وفيا لرسالته الكبرى بعنصريها الأساسيين: الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب، والمطالبة بخوض غمار التحديث وعيا ممارسة.
من أهم المحطات التي عاشها العروي ممارِسا للسياسة، قريبا من “عالَم السياسة”، تلك التي ذكرها في مذكراته “خواطر الصباح”، والتي كانت مناسبة جديدة يستحضر فيها ذكرى المهدي بن بركة.. يتعلق الأمر بمؤتمر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عام 1978، والذي حضره حسب العروي “عدد كبير من الضيوف الأجانب”. ما اعتبره العروي “دليلا على أنه إذا اختار المغرب نظاما سياسيا يوافق العصر استعاد في الحين نفوذه على المستوى الإقليمي والقاري” (عبد الله العروي، خواطر الصباح: يوميات 1967-2007، المركز الثقافي للكتاب، الطبعة الأولى، 2017، ص 356). وهذا رهان من طرفه على الديمقراطية في تقدم الورش الوطني، “استلزام” يكشف خلفيات قربه من “الاتحاد” آنذاك.
يتابع العروي: “لم يشارك في المؤتمر المناضلون وحسب بل استدعي الرديف، أي عدد كبير من المثقفين والموظفين العاطفين على الحزب. فدار النقاش على الشكل المعروف في الاجتماعات الطلابية. طرحت أسئلة أيديولوجية لا علاقة لها بالظرف السياسي. تكلم البعض باسم جناح يطلق على نفسه اسم “الاختيار الثوري”، غير واضح هل هو داخل الحزب أم خارجه. يقولون إنهم ورثة المهدي بن بركة. لقد شاركتُ في تحرير القسم الأكبر من الكتاب الذي نشره المهدي بهذا العنوان. كان ذلك سنة 1962 وكنت أتنقل آنذاك بين باريس وجنيف” (نفس المرجع).
يدل هذا الاقتباس على مدى العلاقة الثقافية والسياسية التي كانت تربط العروي بالمهدي بن بركة، ما أهله إلى تحرير القسم الأكبر من “الاختيار الثوري”، الذي يعتبر من أعمق وأهم ما أنتجه “الاتحاد” على المستوى النظري والسياسي، بالإضافة إلى وثيقة “التقرير الإيديولوجي” المنجَزة من قبل محمد عابد الجابري وعمر بن جلون، والتي شكلت -على الأرجح- الأساس النظري والسياسي للوثائق التي وزعت على المؤتمرين في مؤتمر 1978.. لكن هذه الأخيرة (وثيقة “التقرير الإيديولوجي”) لم تجد تأييدا من قبل العروي، فاعتبرها أكبر من قدرة “الاتحاد” الذي لم يكن يستطيع مواجهة “البيروقراطية المخزنية” و”البورجوازية المرتبطة بها” في آن واحد.. كان هذا تشخيص الوثيقة، فتنبأ العروي ببقائها حبرا على ورق، وكذلك كان!
لا يفوّت العروي فرصة الحدث دون التعقيب على الفئة التي ادعت في مؤتمر 1978 الوفاء لخط الشهيد المهدي بن بركة، فيعلق: “أستغرب ممن يدعي الوفاء لمحتواه (“الاختيار الثوري”) مع الجهل بظروف تأليفه وحتى مغزاها الحقيقي. لا أحد يتساءل هل ما يزال يطابق الوضع الحالي أم لا؟ لو كان المهدي لا يزال حيا اليوم هل كان يظل وفيا لاختياره؟ لا أشك أن إغراق المؤتمر بالمدعوين غير المناضلين كان إسكات هذه الأصوات الناشزة” (نفس المرجع).. أقول: وهذا من “العبقرية التنظيمية” لعبد الرحيم بوعبيد ومن معه.
يحضر المهدي بن بركة في النص الأخير لعبد الله العروي، “دفاتر كوفيد”.. لا يخلو هذا الحضور والاستحضار من دلالة، وإن كان عرَضيا. وكأن قضية ابن بركة لم تغادر أحوال العروي إلى اليوم، فيثير موضوعا حساسا في شأنها، هو موضوع العلاقة بين الأجهزة الاستخباراتية المغربية ونظيرتها الفرنسية.. يؤشر هذا الحضور، بهكذا طريقة، وبإثارة موضوع العلاقات الاستخباراتية، على أن للعروي بحثا قديما، جديدا ومتجددا، في القضية.. وقد أشار العروي إلى ذلك في معرض الذكرى، وهذا ما جاء في قوله:
“الأجهزة الأمنية الفرنسية مقتنعة على الأرجح أن نظيرتها الأمريكية قد حلت محلها داخل الأجهزة المغربية، وأن هذه الأخيرة باتت خارجة عن سيطرة الفرنسيين (…) جميع الأزمات الفرنسية المغربية، منذ قضية بن بركة، كان سببها الرئيسي استياء أجهزة المخابرات الفرنسية” (عبد الله العروي، دفاتر كوفيد/ 16 شتنبر 2022، المركز الثقافي للكتاب، الطبعة الأولى، 2024، ص 159-160).