Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

الغلوسي :حين تصبح صناديق الاقتراع سلاحاً لمواجهة الفساد والريع

بعض الذين يصرخون اليوم ويشتكون من «الفراقشية» وتضارب المصالح، ويزايدون على المغاربة ويحتقرون ذاكرتهم وذكاءهم، هم أنفسهم من وفروا الأرضية التي سمحت لهؤلاء بالتغول. وهم أنفسهم من هيأوا، بسياساتهم واختياراتهم، كل الشروط لتوسع الفساد والريع والرشوة، حتى فقد الناس الثقة في المؤسسات وضاع كثير من الأمل في المستقبل.

فقد رفضوا تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، ورفضوا تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، كما رفضوا الرفع من الحد الأدنى للأجور، وأطلقوا العنان لارتفاع الأسعار بشكل أنهك القدرة الشرائية للمواطنين، فيما تركزت الثروة في أيدي أقلية محدودة، وأصبحت شرائح واسعة من المغاربة تواجه الفقر والبطالة والهشاشة.

ولعل فضيحة الهجرة الجماعية نحو سبتة، وما رافقها من مشاهد مؤلمة، لم تكن مجرد واقعة عابرة يمكن اختزالها في هجرة أو هروب، بل كانت صرخة مدوية في وجه نخبة ومسؤولين خدموا كل شيء إلا مصالح المغاربة في التنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

كانت تلك المشاهد بمثابة بطاقة حمراء في وجه سياسات وبرامج يصر البعض على إعادة إنتاجها اليوم، وبالأشخاص أنفسهم تقريباً، مع الحرص على توسيع حضور العائلة وتركيزها في المشهد، تحت شعارات من قبيل: «خيرنا ما يديه غيرنا» و«الصدقة في المقربين أولى».

إنها، في تقديري، لحظة إنذار مبكر لكل من له غيرة على هذا الوطن ويريد أن يستخلص الدروس والعبر. فاتقوا الله في هذا البلد العزيز الذي يتوفر على كل مقومات الإقلاع والتنمية، لولا ضغطكم القوي والمستمر على الفرامل وعرقلة كل الجهود الرامية إلى بناء دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولم يتوقف الأمر عند السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بل امتد إلى مواجهة كل الأصوات التي تفضح الفساد وتكشف زواج السلطة بالمال. فقد استُعملت المواقع والسلطة والنفوذ لترهيب فاضحي الفساد، والتضييق عليهم، واستعمال القضاء، في بعض الحالات، للانتقام منهم وإسكات أصواتهم.

كما حُرمت جمعيات جادة من وصولات الإيداع، وخُنقت مساحات من حرية الرأي والتعبير، وازداد غضب البعض من قيام المجتمع المدني بأدواره الدستورية والقانونية في مكافحة الفساد والمطالبة بالقطع مع الإفلات من العقاب، ووضع حد لتضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتخليق الحياة العامة.

والأخطر من ذلك أن البعض لم يعد يخفي انزعاجه من قيام القضاء بدوره في التصدي لجرائم المال العام.

لم يكن هؤلاء غاضبين من تغول الفساد، ولا من نهب المال العام، ولا من غلاء الأسعار، ولا من استغلال مواقع السلطة والنفوذ لمراكمة الثروة. هذه القضايا، كما يبدو من ممارساتهم، لا تشكل لهم الإزعاج الحقيقي الذي يحاولون اليوم إيهام الرأي العام بعكسه، عبر إظهار قدر كبير من اللطف والتواضع.

الإزعاج الحقيقي بالنسبة لهم هو المجتمع الحي واليقظ، بأصواته وأقلامه الحرة والواعية والمسؤولة.

ومن هنا نفهم لماذا جرى السعي إلى هندسة التشريع بما يخدم توجهات معينة، وتوظيف المؤسسة التشريعية لتمرير قوانين أثارت جدلاً واسعاً، من قانون الإضراب إلى قوانين الصحافة والمسطرة المدنية وقانون المحاماة، وصولاً إلى المسطرة الجنائية وما رافقها من مقتضيات، من بينها المادتان 3 و7، بما يثير مخاوف مشروعة بشأن قدرة المجتمع والمؤسسات على التصدي للفساد والرشوة والريع وتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي تقديري المتواضع، لا ينبغي أن يستمر هذا التوجه، لأنه لا يهدد فقط الثقة في المؤسسات، بل يشكل خطراً حقيقياً على الدولة والمجتمع وعلى مستقبل البلاد.

فالمغرب تنتظره تحديات كبيرة، داخلياً وخارجياً، ويحتاج إلى جبهة داخلية قوية، وإلى مؤسسات تحظى بثقة المواطنين، وإلى حكومة وبرلمان يضعان المصالح العليا للوطن فوق مصالح النخب الضيقة، ويعملان من أجل بناء دولة القانون والمؤسسات، لا دولة الامتيازات والريع وتضارب المصالح.

نحن في حاجة إلى مسؤولين لا يخشون المجتمع، بل يحترمونه. وإلى مؤسسات لا تنزعج من الأصوات المنتقدة، بل تعتبر النقد والمساءلة شرطاً من شروط الديمقراطية. وإلى قضاء مستقل وقوي، وإلى مجتمع مدني قادر على القيام بأدواره دون خوف أو تضييق.

لقد حان الوقت ليترجم المغاربة إرادتهم بشكل واع ومسؤول من خلال صناديق الاقتراع.

إن المشاركة في الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 ليست مجرد ممارسة لحق دستوري، بل هي أيضاً فرصة لمحاسبة السياسات والاختيارات، وقطع الطريق على استمرار النهج نفسه وانفراده بكل شيء.

إنها لحظة لترجمة إرادتنا الجماعية من أجل مستقبل أفضل، وتجسيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، واختيار الكفاءات والأشخاص الذين يتمتعون بقدر عال من النزاهة والصدق والإخلاص والكفاءة والشجاعة والاستقلالية في الرأي.

نحن جميعاً مسؤولون. فلا تتركوا الفراغ ينتصر.

فعدم المشاركة، واللامبالاة، والعزوف عن الانتخابات، لا يعاقب الفاسدين بالضرورة، بل قد يمنحهم فرصة أكبر للاستمرار، ويترك لهم مفاتيح تقرير مصيرنا ومستقبل أبنائنا.

هذا مغربنا، وهذا واقعنا الذي لا يرتفع بشروطه وإكراهاته، بعيداً عن الطوباوية والمثالية. وإذا كانت الديمقراطية لا تزال تتيح لنا إمكانية التغيير عبر المؤسسات، فإن أقل ما يمكن فعله هو استعمال هذه الإمكانية وعدم التخلي عنها.

المقاطعة واللامبالاة تفتحان الباب أمام استمرار الأمر الواقع، بينما المشاركة الواعية والمسؤولة يمكن أن تكون مدخلاً لمحاسبة من يستحق المحاسبة، ومكافأة من يستحق الثقة.

إن مستقبل المغرب أكبر من مصالح الأفراد والعائلات والنخب، وأغلى من أن يصبح رهينة للريع وتضارب المصالح والفساد.

رجاءً، لا تتركوا مستقبلنا رهينة بيد المتربصين بحلمنا الجماعي.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.