Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

دفاعا عن كتابة علمية تاريخية حول افريقيا .

بقلم الدكتور أنغير بوبكر 

مقدمة :

نُظر إلى إفريقيا بانتقاص وازدراء، إلى عهد قريب جدا ووصف تاريخها باعتباره مجموعة من الأساطير والخرافات، يؤمن بها أناس متوحشون لا يمتون إلى الحضارة بصلة، مع استثناءات من باحثين منصفين يحترمون المنهج العلمي، ويحتكمون للعلم والمنطق في تقديراتهم.

إنّ مجهود تعديل النظرة الراسخة لإفريقيا، وإعادة الاعتبار لتاريخها العريق وكتابته بأقلام علمية نزيهة، بحاجة إلى مجهود أممي جماعي لكل الباحثين عن الحقيقة في العالم، لتصحيح المسلّمات الشائعة عن الشعوب الإفريقية، وعن تخصص شعوبها بالسحر والشعوذة والفكر الماقبل العقلي، في مقابل شعوب أوروبية تزدهر فيها العقلانية والقيم الحداثية. كما أن هذا المجهود التاريخي، أي بناء تاريخ إفريقي علمي وموضوعي، يجب أن ينصب نحو التنقيب عن التاريخ الإفريقي الغزير في مأثوراته، ووقائعه، وإبداعه.

وسنعمل من خلال هذا المقال تقديم مرافعة علمية تحاول تسليط الضوء على الكتابة التاريخية وأسس بناء فهم علمي وموضوعي لتاريخ افريقيا ، ثم سرد مجموعة من مصادر التاريخ الافريقي وأهم المؤرخين والمفكرين والفلاسفة المعاصرين الذين ساهموا مساهمة قيمة في مجهود بناء تاريخ إفريقي جديد، مبني على الإنصاف ومحترم لشروط الموضوعية العلمية .

1-الكتابة التاريخية وأسس بناء فهم تاريخي علمي للقارة الافريقية:

عانت الكتابة التاريخية عن إفريقيا ردحا من الزمن من الإقصاء المتعمد، والتهميش الممنهج من طرف الاسطوغرافيا الغربية الاستعمارية، التي سخرت التاريخ لغايات أيديولوجية، تستهدف الانتقاص من التاريخ الإفريقي، وتتبنى نظريات عنصرية قائمة على التمييز العنصري، وعلى تفوق العنصر الغربي على غيره من الأجناس والأقوام. فقد كانت القارة الإفريقية توصف بأنها قارة خالية جغرافيا، غير منتجة اقتصاديا، ومنعدمة الثقافة، عديمة الحضارة، تحتضن وحوشا ضارية، وأقواما من البرابرة الهمج.

ويكفي أن نطلع على ما كتبه بعض الفلاسفة والمفكرين، مثل هيكلعن إفريقيا، لنرى حجم الظلم، وقمة الازدراء الذي تعرض له تاريخ أعرق قارة في التاريخ، ومهد الإنسان الأول. فالربط الهيغلي العنصري بين المناخ، وبين تطور الشعوب، وأن التاريخ والحضارة مرتبطان بالمناخات الرطبة المعتدلة، واعتبار الهنود الحمر والأفارقة شعوبا ناقصة الإنسانية، وفاقدة الإحساس الإنساني، كلها أطروحات غربية، مبررة لاستغلال الشعوب من أجل “أنسنتها” وإدخال الحضارة إليها.

إفريقيا لم تكن أرضا خلاء، ولم تحتضن شعوبا منزوعة الروح، ومعدومة الحضارة، بل بالعكس تماما، إفريقيا كانت منذ القرون الغابرة، ذات تاريخ غني وثري، يكفي أن نرجع إلى ما كتبه كل من المؤرخ الكبير JOHN DONNELLY FAGE الذي تحفل كتبه بأخبار إفريقيا، بما كانت تعيشه هذه القارة من تنوع بشري، وثروات طبيعية هائلة، منذ أقدم العصور. كما أن كتابات (ROLAND OLIVE ) تناولت بطريقة علمية موثقة، الحيوية التي عرفتها إفريقيا في أقدم العصور، من رحلات، وقوافل تجارية وبحرية..

وعلى الرغم من أن الاهتمام بالتاريخ الإفريقي تقلص كثيرا بفعل عوامل عدة، أهمها السياسة الاستعمارية الغربية، التي مزقت أشلاء القارة الإفريقية، تنفيذا لمؤتمر برلين (1884م/1885م)، الذي وضع القارة الإفريقية على مشرحة التجزئة السياسية، والنهب الاقتصادي، والهيمنة الثقافية، وكل أشكال الاستعباد الإنساني، فان ذلك لم يمنع من تواتر مجموعة من الأدبيات الغربية في الفترة المعاصرة التي سعت أيضا إلى تصحيح النظرة الدونية لشعوب تلك القارة، ومهدت لدراسات تاريخية -إفريقية، وغير إفريقية-رصينة وبنظرة جديدة أكثر إنصافا وموضوعية. وفي هذا الإطار تندرج مجهودات معتبرة من بعض الأنثربولوجيين الذين حاولوا فهم أعماق إفريقيا، وفي مقدمتهم نجد “كلود ليفي شتراوس” الذي حاول دراسة إفريقيا، واعتبرها الأساس الذي بني عليه التاريخ العالمي، والوعاء الحضاري الذي انصهرت فيه تأثيرات الحضارة الإنسانية، أي المكان الذي انصهرت فيه كل التأثيرات وأرض التثاقف البشري بامتياز، فحاول شتراوس دراسة الأنظمة السياسية الكبرى في إفريقيا القديمة وإنجازاتها القانونية، ونظرياتها الفلسفية التي خفيت أو تم تجاهلها طويلا من طرف الغربيين، وفنونها التشكيلية وموسيقاها التي تستكشف بطريقة منهجية جميع الإمكانات المتوفِّرة عبر كل وسيلة للتعبير، والتي استنتج منها واعتبرها دلائل على أن إفريقيا ذات ماضٍ في غاية الخصب.

وفي سبيل تصحيح صورة إفريقيا في الأذهان، ومحاولة إعادة الاعتبار التاريخي لها، أقدمت اليونيسكو على مبادرة علمية هامة عام 1964م، تتمثل في مشروع صياغة “تاريخ أفريقيا العام”، بغية تغيير عدم المعرفة السائدة لتاريخ إفريقيا. وشارك في هذا السّفر الهام عدد كبير من الأفارقة ذوي اختصاصات علمية متقاطعة ومتكاملة، وقد ساهم في نفض الغبار عن تاريخ القارة الإفريقية، من النواحي الاجتماعية والدينية والعرقية والثقافية. ويكمن التحدّي، بإعادة بناء تاريخ إفريقيا، وتحريره من أي أحكام مسبقة عرقيّة تعود لفترة تجارة الرقيق والاستعمار، وبالتالي النهوض بالنظرة الإفريقية لهذا التاريخ.

2- اهم مصادر التأريخ لافريقيا انطلاقا من الكتابات العربية :

سؤالان مهمان يتبادران إلى الذهن فيما يتعلق بكتابة التاريخ الإفريقي، والإجابة عنهما مسألة ضرورية لكل باحث مجتهد باحث عن المعرفة التاريخية :

السؤال الأول: ماهي المصادر الأساسية التي يجب على أي باحث مهتم بالتاريخ الإفريقي الاعتماد عليها، لتسعفه للاطلاع على التاريخ الإفريقي؟

السؤال الثاني: من هم أهم المؤرخين والمفكرين والفلاسفة القدامى و المعاصرين الذين ساهموا مساهمة قيمة في بناء أسس فهم تاريخي علمي للقارة الإفريقية ؟

مصادر التاريخ الإفريقي يمكن تقسيمها إلى ثلاث أقسام وهي: المصادر المكتوبة العربية والأجنبية والآثار والرواية الشفوية وسنكتفي في هذا المقال بالمؤرخين والبحاثة الذين كتبوا ابحاثهم باللغة العربية على ان نخصص مقالات للباحثين الاخرين الذين كتبوا باللغات الأخرى .

كثيرا ما نعت التاريخ الإفريقي بأنه تاريخ أساطير وخرافات وسحر، واستطاعت هذه الصورة النمطية السلبية أن تصمد طويلا، فاعتبرت القارة الإفريقية قارة بلا تاريخ، وبلا حضارة، من قبل العديد من المؤرخين والفلاسفة. لكن هذه الصورة السلبية كان وراءها الجهل بالمقومات الحضارية والتاريخية التي تزخر بها القارة الإفريقية، كما روجت هذه الصورة لدواعي إيديولوجية، وأحيانا دينية لتبرير استعمار شعوب القارة، واستغلال ثرواتها، واستعبادها تحت مبررات إدخالها إلى “الحضارة الإنسانية”. لقد أقصي التاريخ الإفريقي عن التاريخ العالمي بدعوى أن الحضارة الإفريقية تفتقر إلى الكتابات، وإلى الدلائل المادية الملموسة على وجود حضارات بارزة، إلا أن التطور التاريخي، وأدوات البحث والتنقيب التاريخية، وتطور علم الأركيولوجيا، وبروز طبقة من المؤرخين والمثقفين الأفارقة في أوروبا بعد الحرب العلمية الثانية؛ عوامل تظافرت لتنفض بعض غبار الإنكار والنسيان على التاريخ الإفريقي.

تعتبر المصادر العربية أهم الكتابات التاريخية التي عرفتنا على أجزاء مهمة من تاريخ جزء من القارة الإفريقية، وقد حظي تاريخ منطقة السودان الغربي وغرب افريقيا بالقسط الأوفر من الكتابات التاريخية، وهذا أمر يمكن تفسيره بعاملي التجارة والدين في هذه المنطقة، فتاريخيا عرفت هذه المنطقة بأنها محورُ التجارة الإفريقية، بل والدولية في مرحلة من المراحل، وهذا ما يبرر وجود عدة حواضر ومدن معروفة تاريخيا في هذه المناطق، كما أن وصول الإسلام إلى هذه المنطقة ساهم في تكثيف جهود أسلمة هذا المجال، فتظافر عاملي الدين والتجارة في إشعاع المنطقة ثقافيا واقتصاديا وعسكريا.

وسنحاول ذكر بعض الكتابات العربية التي اهتمت بسرد بعض احداث ووقائع افريقيا و هي محاولة غرضها الأساسي هو تعريف القراء والباحثين ببعض الكتاب والمؤرخين الذين عاشوا في مراحل مختلفة والذين وصفوا افريقيا وعوائدها و ساكنتها و احوالهم في حقب زمنية مختلفة والهدف أساسا هو فتح نافذة للتعرف على تاريخ افريقيا ونفض الغبار عنه و محاولة استكناه ما تحفل به القارة الافريقية من كنوز تاريخية واثرية مايزال التاريخ المعاصر خصوصا الاركيولوجيا تفاجئنا و تدعم رؤانا بخصوص تاريخية التاريخ الافريقي وان افريقيا هي مهد الحضارة الإنسانية بدون منازع .

الإصطخري (ت 346هـ /957م):

هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الإصطخري، وهو عالم فلكي وجغرافي ومؤرخ، زار العديد من البلدان العربية والافريقية، وقال عن بلاد السودان ما يلي : “وأما زويلة، فإنها من حد المغرب وهي مدينة وسطة لها كورة عريضة، هي متاخمة لأرض السودان، وبلدان السودان بلدان عريضة إلا أنها قفرة قشفة جدا، ولهم في جبال لهم فيها عامة ما يكون في بلاد الإسلام من الفواكه، إلا أنهم لا يطعمونه، ولهم أطعمة يتغدون بها من فواكه ونبات غير ذلك مما لا يعرف في بلدان الإسلام، والخدم السود الذين يباعون في بلدان الإسلام منهم، وليس هم بنوبة ولا بزنج ولا بحبشة ولا من البجة، إلا أنهم جنس على حدة أشد سوادا من الجميع وأصفى، ويقال إنه ليس في أقاليم السودان من الحبشة والنوبة والبجة وغيرهم إقليم هو أوسع منه، ويمتدون إلى قرب البحر المحيط، مما يلي الجنوب ومما يلي الشمال على مفازة تنتهي إلى مفاوز مصر من وراء الواحات، ثم على مفاوز بينها وبين أرض النوبة، ثم على مفاوز بينها وبين أرض الزنج، وليس لها اتصال بشيء من الممالك والعمارات، إلا من وجه المغرب، لصعوبة المسالك بينها وبين سائر الأمم”. ما يلفت الانتباه فيما قاله الإصطخري عن السودان، أنه يقيم تمييزا بين سكان السودان والزنوج، وهذه إحالة تاريخية هامة، تحتاج لمزيد من الدراسة والتمحيص، كما أنه لا يذكر المراجع والمصادر التي اعتمد عليها في تدوين كتابه، عكس البكري مثلا، الذي قدم بالتفصيل مصادره التي استند عليها في كتاباته التاريخية والجغرافية. للإشارة، فكتاب (مسالك الممالك) للإصطخري، تم تحقيقه وتقديمه من طرف عدد من المستشرقين، ومؤخرا صدر في طبعات جديدة أنيقة من دور النشر ببيروت والقاهرة.

(ابن حوقل الموصلي النصيبي) (ت 380هـ / 990م):

يوجد ابن حوقل الموصلي النصيبي في مقدمة الرحالين، الذين ضربوا في الأرض، واخترقوا المسالك والممالك والمفازات في آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، طيلة ثلاثين سنة من القرن الرابع، الذي كان عصرا فريدا في تاريخ الإسلام، تقاسمت فيه بغداد، والقاهرة، وقرطبة، النفوذ السياسي والاقتصادي، والمجد الحربي والعلمي.

بدأ ابن حوقل رحلته من بغداد سنة (331هـ -943م)، واتخذ التجارة وسيلته ومعاشه، كما ذكر في مقدمة كتابه (المسالك والممالك)، ويظهر من مقدمة الكتاب، أنه كان غير مطمئن إلى الحالة السياسية التي كانت تعيش عليها مدينة السلام. وبضميمة ذلك إلى ما في كتابته من ميل إلى تأييد سياسة الفاطميين، وقد دون ابن حوقل معلوماته في كتابه (المسالك والممالك)، جامعا بين المشاهد، والدراسة، والأخبار، وتخطيط الخرائط على الاصطلاح القديم، الذي كان يجعل الجنوب أعلى الخريطة والشمال أسفلها، والغرب يمينها والشرق يسارها. فزار بلاد العرب، وفارس، والسند، وسجستان، ثم انعطف إلى أوربا، فشاهد بلاد البلغار، ووصل إلى أعلى نهر الفولكا. وشاهد مصر، والمغرب، وقسما من الصحراء، والأندلس، وصقلية، ثم رجع إلى بغداد.

يعتبر ابن حوقل النصيبي مرجعا تاريخيا وجغرافيا هاما بالنسبة للباحثين في تاريخ إفريقيا الشمالية خصوصا، ويعتبر إسهامه التاريخي دليلا على وجود حركية تجارية، وبشرية، ودينية، داخل القارة الإفريقية، وفي علاقاتها مع القارات الأخرى. وقد اعتمد المستكشفون الأوروبيون على هذا المرجع الهام، واستثمروه في غزواتهم ورحلاتهم فيما بعد، ولعل دليل اهتمامهم بهذا الكتاب، هو نشره وتحقيقه من طرف المستشرق م. ج. جوية لايدن، سنة 1873م، وتم نشره سنة 1938م، بليدن. كما اهتم به العديد من المستشرقين مثل دوزي.

(المقدسي)، (ت390هـ/1000م) :

اشتهر بكتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم)، وكان أول من اهتم به هو المستشرق النمساوي شبرنغر، وعمل على نشره في سلسلة الجغرافين العرب، التي كان يصدرها المستشرق الهولندي دي خويه في ليدن سنة 1877م، الذي قام بتحقيقه، وتقديمه، ونشره في حلة جديدة عام 1906م، وطبع في ليدن.

وقد بدأ المقدسي كتابه بمدخل طويل ومكثف عن الجغرافية الطبيعية، معتمداً على من سبقه في تقسيماتهم، والتسميات الدارجة التي تبنوها، وعالج في القسم الأول أقاليم عربية، مثل: جزيرة العرب، والعراق، والجزيرة العليا، وبلاد الشام، ومصر، والمغرب، ثم عرّج في القسم الثاني، على الأقاليم الفارسية، والبلدان الإسلامية الشرقية، مثل: بلاد ما وراء النهر، وخراسان، والديلم، والقوقاز، وفارس. اعتمد المقدسي في منهجه في الكتابة على الملاحظة والتدقيق في رحلاته ومشاهداته، يتحرى ما يُنقل إليه ويتفحصه ويدققه، وكان يُعنى بالعادات الغريبة، وكان يعمد أيضاً في حالات كثيرة إلى تغيير اسمه، أو إلى التنكر للدخول في الأماكن والطوائف المختلفة. يعتبر المقدسي مصدرا مهما من مصادر التاريخ للمغرب ولغرب السودان، حيث إن كتابه تكلم عن الحواضر، مثل سجلماسة، وزويلة، وفزان، وأواغشت، كما تتطرق للتجارة البينية التي كانت تربط المغرب بالسودان، الذي قصد به السودان الغربي؛ استفاد المقدسي من كتابات الذين سبقوه، مثل البلخي م والإصطخري.

البكري (ت487 هـ/1094م) :

يعد كتاب (المسالك والممالك) من أهم مؤلفات المؤرخ والجغرافي أبو عبيد البكري، حيث تناول فيه سيرته، وحياته، وشيوخه، وتلامذته، وكذا منهجه؛ وهو كتاب جمع بين التاريخ والجغرافيا، كما ذكر فيه العديد من المؤلفات التاريخية والجغرافية، وغيرها… وتحدث عن الممالك، وعرض العديد من شعوب العالم، ووصف الإمبراطوريات والقصص التاريخية…وله مؤلفات أخرى في علوم مختلفة.

قدم البكري في كتابه هذا، أول وصف مفصل لإمبراطورية غانا الإسلامية في غرب إفريقيا، ويعتبر من أهم المصادر التاريخية لتلك الحقبة، في جنوب غرب إفريقيا، وشمال غرب إفريقيا، حيث دولة المرابطين، ونظرا لاستيقائه الكثير من المعلومات من التجار والمسافرين، فقد قدم وصفا دقيقا لطرق التجارة في الصحراء الكبرى بإفريقيا، والتي تضاهي بأهميتها طريق الحرير التاريخي بين الصين وأوروبا.

ذكر البكري بالتفصيل بداية دخول بلدات غرب إفريقيا في الإسلام، أواخر القرن العاشر الميلادي، مثل غاو التي تقع اليوم في مالي، وعدد من البلدات والمدن المتناثرة على ضفتي نهر النيجر. إن لكتاب (المسالك والممالك) خصائص مميزة، تجعل المعلومات الجغرافية دائمة الامتزاج بالمعلومات ذات الصبغة التاريخية، ويُسجل للبكري أنه استطاع تقديم مصادر جغرافية وتاريخية دقيقة ومهمة بدون أن يغادر بلاده الأندلس.

أما كتابه الخالد الآخر، فهو (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع)، وهو جهد توثيقي، حاول الكاتب فيه توثيق أسماء الأماكن والبلدان، بعد أن لاحظ تعدد التسميات، نتيجة تنوع لهجات بني البشر، فأراد أن يكون هناك مصدر تاريخي موثوق، يستطيع الباحثون الرجوع إليه للتوصل إلى الأسماء والألفاظ الصحيحة للأماكن.

واعتمد البكري في تأليف معجمه الجغرافي والتاريخي على مصدرين: الأول مصدر تاريخي مثل كتاب) صفة جزيرة العرب(، للحسن بن أحمد الهمداني، ومصدر ثان وهم الرواة من المسافرين والتجار، حيث كان البكري يلتقيهم باستمرار لمعرفة أسماء البلدان والبلدات التي مرُّوا بها، وأحوال الشعوب فيها.

الإدريسي (564هـ -1160 م) :

هو أبو عبد الله محمد الإدريسي القرطبي الحسني السبتي، وشهرته بالإدريسي، وهو عالم وكاتب وجغرافي، ورسام خرائط كان يعيش في بالرمو، صقلية في بلاد الملك روجر الثاني. وُلد الإدريسي في سبتة، التي كانت تابعة لدولة المرابطين. بالإضافة لشهرته في رسم الخرائط في العصور الوسطى، كتب الإدريسي، في التاريخ، والأدب، والشعر، والنبات. ودرس الفلسفة، والطب، والنجوم، والجغرافيا، والشعر في قرطبة، ثم بدأ رحلته إلى إسبانيا والبرتغال، ثم زار إفريقيا وآسيا الصغرى. استخدمت مصوراته وخرائطه في سائر كشوف عصر النهضة الأوربية، حيث لجأ إلى تحديد اتجاهات الأنهار والمرتفعات والبحيرات، وضمنها أيضًا معلومات عن المدن الرئيسية بالإضافة إلى حدود الدول.

في مقدمة كتابه الهام (أشهر جغرافيي العرب والاسلام)، يقول المؤلف (محمد عبد الغني حسن): “الواقع أننا أغفلنا الإدريسي منذ وفاته في القرن السادس الهجري، واسقطه مؤلفو التراجم من حسابهم، إلا فئة قليلة دانت له بالوفاء، من أمثال العماد الأصفهاني صاحب (خريدة القصر) والصفدي صاحب (الوافي بالوفيات) …والواقع أن استدعاء روجر الثاني للإدريسي، ليؤلف له كتابا وثيقا في الجغرافية، وليصنع له خريطة صحيحة مضبوطة للأرض، هو أكثر شهادة على ما كان للعرب من تفوق فكري في ذلك الزمان “.

وفي الوقت الذي أهمل فيه مؤرخو الإسلام الإسهامات العلمية للإدريسي، الذي لم يكن جغرافيا فقط، بل كان ذا خبرة كبيرة في الطب، والصيدلة، وعلم النباتات، استفادت من أبحاثه معظم أقطار أوروبا، لذلك اهتم المستشرقون بكتاباته، فحققوها وطبعوا كتاب (نزهة المشتاق في ذكر الأمصار)، بمطبعة الميديتشي بروما سنة 1592 م، وقام المستشرق الهولندي (دوزي) بتحقيق الجزء المتعلق بالمغرب، والسودان، ومصر، والأندلس، بمدينة ليدن سنة 1864م. وقد أعاد الإسباني (لويس سافدرا) طبعه ونشره بمدريد، سنة 1881م، ويرى المستشرق النمساوي (مجيكMZIK) أن الإدريسي استطاع أن يتجاوز أخطاء بطليموس في وصفه لإفريقيا، وخصوصا لأنهارها الكبرى، كنهر النيجر. يعتبر الإدريسي مصدرا مهما من مصادر التاريخ لإفريقيا، ومازالت دراساته وخرائطه تشكل مواد للدراسة والتعمق في عدد من بلدان العالم.

(ياقوت الحموي)، (575هـ-1179 م) / (627هـ-1229م) :

هو الشيخ الإمام شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت الحموي، سمي بالحموي نسبة إلى التاجر الذي اشتراه، حيث إنه تعرض للأسر وهو صغير السن، يقال إن أصله رومي أو إغريقي، نال تعليما إسلاميا جيدا، وتوسع في دراسته فاهتم بالنحو والأدب، امتهن استنساخ الكتب وبيعها ببغداد، مما أهله، وفتح المجال أمامه للتعرف على عدد كبير من الكتاب والأدباء ومشاهير الرواة ببغداد.

بعد وفاة سيده الذي عتقه من الرق، انغمس في أمور التجارة والرحلات، فزار مختلف أصقاع العالم، كانت الزاد المعرفي والفكري، الذي جمعه في عدد من الكتب التي ألفها، ومنها معجم لمشاهير الرجال، عنوانه (إرشاد اللبيب إلى معرفة الأديب )، المشهور تحت اسم (معجم الأدباء) نشره المستشرق (مارغليوث)، كما أصدر كتابا عن الأسماء المتماثلة للأمكنة والتي تهم أمكنة مختلفة، عنونه ب (المشترك وضعا والمختلف وقعا)، قام بنشره (وستنفيلد) في غوتتجن عام 1848م، وأخيرا معجمه الجغرافي الكبير (معجم البلدان)، الذي قام بالانتهاء من كتابته عام 1224م، وهو معجم مرتب على الحروف الهجائية، وأهميته تكمن في أنه يثبت أسماء الأماكن، بالشكل، واللفظ، والاشتقاق، ويحتوي الكتاب على مسح جغرافي لعدد كبير من المناطق، التي يبين خصائصها الطبيعية، والبشرية، والعمرانية، ومعظم الأحداث التي شهدتها من حروب ومجاعات وأوبئة. ويتميز (ياقوت) عن كثير من المؤلفين من أبناء عصره بملكة النقد، التي تتجلى عندما يروي بعض الأساطير الذائعة في عصره وفي حكمه على تلك الأساطير. يقول المستشرق (أخناطيوس كراتشكوفسكي) في كتابه (تاريخ الأدب الجغرافي عند العرب) عن (ياقوت الحموي)، ما يلي:” كان ياقوت أديبا واسع الأفق، وكاتبا جم النشاط متعدد النواحي، ومن دون حاجة إلى ذكر مصنفاته، التي لم تصل إلينا، فإنه يكفي أن نشير إلى معجم الأدباء، الذي لا يقل حجما أو أهمية عن معجمه الجغرافي، بل ربما يفوقه، فيما يتعلق بالمادة التاريخية والحضارية عن العالم الإسلامي.” كان إسهام (ياقوت الحموي) كبيرا في التعريف بالقارة الإفريقية، وخصوصا بمناطق السودان الغربي، وشرق القارة الإفريقية كذلك، لذلك فهو مصدر مهم لا غنى عنه للتعرف على التراكم التاريخي والجغرافي فيما يتعلق بالدراسات التي تعنى بإفريقيا.

(ابن فضل العمري):

يعد أحمد ابن فضل الله العمري واحدًا من رواد علوم الأدب، والجغرافيا، والحضارة، والعمران، في تاريخ الحضارة الإسلامية، فقد احتل مكانة علمية كبيرة على المستوى العربي والإسلامي والعالمي؛ نتيجة جهوده العظيمة في مجال الدراسات الأدبية، والجغرافية، والتاريخ، وأحوال العمران.

ويكتسب كتابه الموسوعي (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) أهمية كبيرة، فهو موسوعة شاملة عن العالم العربي والإسلامي، حتى القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي، ومن أضخم الموسوعات العربية التي تفاخر معظم مكتبات العالم بامتلاك أجزاء منها.

فقد كان لابن فضل الله العمري الفضل في الكثير من الدراسات، فقد عني بدراسة الجغرافية السياسية، والفلك، وتواريخ الأمم وعجائبها، وتجول في البلاد من الشام إلى الحجاز والأناضول، وغيرها من بلاد الأرض. فترك العمري مؤلفاتٍ عديدةً في ضروب من العلم مختلفة، جمع فيها فأوعى، وهي تشهد بسعة اطلاعه، وتعدد ميادين ثقافته… شرع العمري في تأليفه بعدما اعتقل وصودرت أمواله، أثناء الإقامة الجبرية التي فرضها عليه الناصر بن قلاوون سنة 738هـ، بسجن القلعة والتي دامت حتى 740هـ، ومات سنة 749هـ، بالحمى بدمشق من غير أن يتمه.

يعتبر ابن الفضل العمري مصدرا مهما من مصادر التاريخ الإفريقي، إذ احتوت موسوعته الجغرافية على وصف دقيق لمسالك التجارة الصحراوية الإفريقية، كما تتضمن وصفا غنيا عن مناطق كثيرة في السودان الغربي، وشرق إفريقيا.

(ابن بطوطة)، (704-779//1304م-1377م) :

هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي نسبة إلى قبيلة لواتة المعروف بابن بطوطة. ولد ابن بطوطة بطنجة يوم الإثنين 17 رجب 703 هـ /24 فبراير 1304م، ترعرع في أسرة تنعم بالعيش الرغيد، وعاش طفولة سعيدة، في وسط على قدر هام من العلم والمعرفة، فأسرته مارس بعض أفرادها القضاء، والتأليف، ومعروفة بالنبوغ العلمي. قام ابن بطوطة بثلاث رحلات، وقد استغرقت في مجموعها، نحو تسع وعشرين سنة، ففي الرحلة الأولى، قام بتأدية فريضة الحج، وجاب بلاد المشرق العربي والإسلامي، حيث انتقل من بلاد المغرب متجها إلى مصر، ثم الشام سنة 1325 م، وزار الحجاز، وإيران، والعراق، سنة 1326 م، كما زار اليمن، والبحرين، وعمان، وبلاد فارس، وبلاد السند والهند، وتبريز، ووصل إلى الصين. في المرحلة الثانية زار فيها الأندلس، وتحدث عن جمالها، وخاصة، غرناطة، التي خص لها وصفا دقيقا جميلا. في المرحلة الثالثة، خرج من سجلماسة سنة 1352م، متوجها إلى جنوب القارة الإفريقية، حيث زار الصحراء وبلاد السودان الغربي، وكان أول رحالة، تغلغل إلى مجاهل إفريقية، ودون عنها معلوماتٍ قيمةً كانت مجهولة.

وبعد رحلاته تلك، عاد إلى فاس حيث استرسل في ذكر أخبار المناطق التي زارها، وانبهر الجميع بما حكى عن غرائب وعجائب المناطق التي تعرف عليها، فأمره السلطان (أبو عنان المريني) بكتابة أخباره ومذكراته، فأملاها على كاتب السلطان (محمد بن جزي الكلبي) سنة 756هـ. كانت بحق، رحلة ابن بطوطة التي تضمنها كتاب (تحفة النُّظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) من أشهر كتب الرحلات في التاريخ، هو كتاب يصف رحلة ابن بطوطة، ويتحدث عن البلدان، أهلها وحكامها وعلمها، ويصف الألبسة بألوانها وأشكالها وحيويتها ودلالتها، ولا ينسى الأطعمة وأنواعها وطريقة صناعتها، ويعد الكتاب مصدرا هاما من مصادر التاريخ الإفريقي، لكل عالم، أو مؤرخ، أو جغرافي، أو عالم اجتماع، أو لكل أديب وأنثربولوجي، أراد التأصيل التاريخي، للاهتمام بإفريقيا، حيث استطاع ابن بطوطة في رحلته أن يعطينا فكرة عن واقع المجتمعات الإفريقية، وعاداتها، وحكامها، وعن ملابس ساكنتها، ومأكلهم، ومشربهم، وديانتهم، وطقوس احتفالاتهم .. لذلك تم الاهتمام بكتاب رحلة ابن بطوطة، وتم ترجمته إلى أكثر من 10 لغات عالمية.

(ابن خلدون)، (1332م-1406م) :

يعتبر ابن خلدون من العبقريات العالمية، التي بصمت العالم، بل اعتبر أحد القامات العلمية، التي نحتت علم التاريخ، ونقلته من مجرد فن يسرد الأحداث، وتعاقب الأمم والحكام، أي التاريخ الحدثي، إلى علم يهتم بالإنسان، والعمران، والعادات، والتقاليد، في منهج غير مألوف في عصره. لذلك انتقد ابن خلدون منهج أسلافه في كتابة التاريخ، وقام بثورة حقيقية في منهج وأسلوب وفلسفة التاريخ، ألهمت الكثير من الكتاب والمؤرخين والفلاسفة بعده، مثل (ا

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.