Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

هيريديوم… حين تصبح الزراعة فعلاً للحياة ليست كل المزارع متشابهة.

متابعة مولاي مصطفى النقراوي 

فهناك أماكن لا تقدّم لك منتوجاً فحسب، بل تمنحك إحساساً بالانتماء، وتذكّرك بأن علاقتنا بالأرض أعمق من الاستهلاك والإنتاج.
هيريديوم، المزرعة الإيكولوجية المصغّرة الواقعة بسيدي ناجي الحاثرمين قرب الجديدة، هي واحدة من هذه الأماكن القليلة التي تُشعرك بأن الأرض ما تزال قادرة على الحوار معنا.
تأسست المزرعة سنة 1903، وتوارثتها أربع أجيال متعاقبة.
عبر هذا الزمن الطويل، ظلّ خيط واحد يجمع بين الأجداد والأحفاد: احترام الأرض والتعامل معها كشريك، لا كوسيلة.
من الصناعة إلى التربة: قصة اختيار
اليوم، يقود هذه المزرعة جيهاد البتري، مهندس شاب تلقّى تكوينه في مجال الصناعة المعدنية.
مسار مهني كان يمكن أن يستمر بعيداً عن الحقول، لولا قرار شخصي عميق أعاده إلى أرض العائلة.
لم تكن العودة إلى الزراعة حنيناً إلى الماضي، بل مشروعاً للمستقبل.
اختار جيهاد أن يطوّر المزرعة وفق مبادئ الزراعة البيولوجية، جامعاً بين:
خبرة الأجداد،
التقنيات الإيكولوجية الحديثة،
والوعي بأهمية التنوع البيولوجي والتوازن الطبيعي.
بهذا الاختيار، تحوّلت هيريديوم إلى نموذج عملي يطرح سؤالاً بسيطاً على الجميع:
هل يمكن أن ننجح اقتصادياً دون الإضرار بالطبيعة؟
مكان يعلّمنا بهدوء
لا تقتصر هيريديوم على الإنتاج الفلاحي، بل تفتح أبوابها للزوار، والتلاميذ، والعائلات.
هنا، يتعلّم الزائر من خلال المشاهدة والتجربة:
كيف تُزرع الأرض دون إنهاكها،
كيف يُحترم إيقاع الطبيعة،
وكيف يمكن للأفعال الصغيرة أن تصنع فرقاً حقيقياً.
إنها تجربة تعيد الاعتبار للبطء، وللملاحظة، وللعلاقة البسيطة مع المحيط، بعيداً عن منطق السرعة والضغط اليومي.
الطعام… حين تحكي النكهة قصة الأرض
من أقوى لحظات الزيارة، مشاركة وجبة أُعدّت من منتجات المزرعة نفسها.
هنا، لا يكون الطعام مجرد حاجة، بل حكاية:
حكاية أرض، وموسم، ويدٍ تعبت لتمنحنا نكهة صادقة.
تجربة تُذكّرنا بأن اختيار ما نأكله هو أيضاً اختيار بيئي وثقافي.
غرس شجرة… فعل بسيط بمعنى كبير
اختُتمت الزيارة بنشاط جماعي لغرس الأشجار.
قد يبدو الفعل بسيطاً، لكنه يحمل رسالة واضحة:
كل واحد منا قادر على ترك أثر إيجابي، مهما كان صغيراً.
غرس شجرة هو وعد للمستقبل، ودعوة للتفكير في ما سنتركه للأجيال القادمة.
ما الذي تقدّمه هيريديوم لنا؟
هيريديوم لا تقدّم درساً نظرياً، ولا شعارات جاهزة.
بل تطرح تجربة واقعية تقول إن:
الزراعة يمكن أن تكون إنسانية،
ريادة الأعمال يمكن أن تحترم الحياة،
والتغيير يبدأ بخيارات فردية واعية.
هي دعوة مفتوحة لإعادة النظر في علاقتنا بالأرض،
وفي طريقة استهلاكنا،
وفي مسؤوليتنا المشتركة تجاه الكائن الحي.
هيريديوم تذكير بسيط:
حين نحترم الأرض، تعلّمنا كيف نحترم أنفسنا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.