
محاكمة فاروق المهداوي.. عندما يتحول الخلاف حول هدم حي المحيط إلى اختبار لحدود حرية التعبير والنقد السياسي
لم تعد قضية المحامي والمستشار الجماعي فاروق المهداوي مجرد ملف معروض أمام القضاء، بقدر ما أصبحت عنواناً لنقاش أوسع يتجاوز شخص المتابع والتهمة المنسوبة إليه، ليلامس أسئلة جوهرية تتعلق بحرية التعبير، وحدود النقد العمومي، وطبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي المحلي ومؤسسات الدولة في تدبير القضايا ذات الحساسية الاجتماعية والعمرانية.
فبعد تشبث المهداوي بحقه في الدفاع وانسحاب هيئة مؤازرته من إحدى الجلسات السابقة، قررت المحكمة الابتدائية بالرباط تأجيل النظر في القضية إلى غاية 25 يونيو الجاري من أجل الشروع في مناقشتها. ورغم أن القرار يبدو في ظاهره إجراءً مسطرياً عادياً، فإن السياق الذي يحيط بالملف يمنحه أبعاداً تتجاوز الجانب القانوني الصرف.
وخلال الجلسة الأخيرة برز خلاف واضح بين هيئة الدفاع والمحكمة بشأن مدى جاهزية الملف للمناقشة. فقد اعتبر الدفاع أن القضية تحتاج إلى مزيد من الوقت، خاصة بعد التحاق عدد كبير من المحامين بهيئة المؤازرة، بينما رأت المحكمة أن شروط المناقشة أصبحت متوفرة. وبين الموقفين، تمسك المهداوي بحقه في إعداد دفاعه بالشكل الذي يراه مناسباً، وهو ما استجابت له المحكمة مع تأكيدها أن الجلسة المقبلة ستكون الأخيرة قبل الدخول في مناقشة الموضوع.
غير أن اختزال القضية في بعدها الإجرائي وحده لا يسمح بفهم خلفياتها الكاملة. فالمتابعة القضائية جاءت في سياق الجدل المتواصل حول عمليات الهدم وإعادة الهيكلة التي شهدها حي المحيط وبعض المناطق المجاورة بالعاصمة الرباط، وهو الملف الذي أثار خلال السنوات الأخيرة نقاشاً واسعاً بين مؤيدين يرون فيه مشروعاً لتحديث المدينة وتأهيلها عمرانياً، ومعارضين يعتبرون أن بعض الإجراءات المرتبطة به تستدعي نقاشاً أعمق حول حقوق السكان وآليات التعويض والتشاور مع المتضررين.
وفي خضم هذا الجدل، برز فاروق المهداوي كأحد أبرز الأصوات السياسية والحقوقية التي اختارت الانخراط في الدفاع عن الساكنة المتضررة، سواء من داخل مجلس جماعة الرباط أو عبر المرافعات والندوات والتصريحات الإعلامية. ومن هنا اكتسبت القضية بعداً يتجاوز مضمون التهمة الجنائية الموجهة إليه، والمتمثلة في “بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم”.
فالنقاش الدائر اليوم لا يقتصر على مدى صحة الوقائع موضوع المتابعة من عدمها، وهو أمر يبقى من اختصاص القضاء وحده، بل يمتد إلى التساؤل حول الحدود الفاصلة بين النقد السياسي والحقوقي المشروع وبين الحماية القانونية للسمعة والحياة الخاصة للأفراد. وهي إشكالية تتكرر في العديد من الديمقراطيات المعاصرة كلما تعلق الأمر بقضايا الشأن العام ذات الامتداد الاجتماعي والسياسي.
وتزداد أهمية هذا المعطى بالنظر إلى الموقع السياسي الذي يشغله المهداوي باعتباره مستشاراً جماعياً ووجهاً سياسياً بارزاً بدائرة الرباط المحيط، إضافة إلى حصوله مؤخراً على تزكية فيدرالية اليسار الديمقراطي لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة. وهو ما يجعل أي تطور في هذا الملف محط متابعة سياسية وإعلامية تتجاوز حدوده القضائية المباشرة.
كما أن حجم المؤازرة الحقوقية والمهنية التي رافقت القضية منذ بدايتها يعكس بدوره أن الملف لم يعد يُنظر إليه باعتباره نزاعاً عادياً بين أطراف محددة. فقد شهدت جلساته السابقة حضور عدد كبير من المحامين والحقوقيين والفاعلين المدنيين، فيما اعتبرت بعض الهيئات أن المتابعة ترتبط بمواقف المهداوي من ملف الهدم ودفاعه عن المتضررين، في حين يبقى الفصل في هذه المعطيات وتقديرها من اختصاص المؤسسة القضائية وحدها.
وفي العمق، تعكس هذه القضية تحولات أوسع تعرفها المدن المغربية الكبرى في ظل تسارع مشاريع التهيئة والتأهيل الحضري. فكلما توسعت المشاريع العمرانية الكبرى، برزت معها تحديات مرتبطة بالتوفيق بين متطلبات التنمية والتحديث من جهة، وضمان الحقوق الاجتماعية للسكان وحماية مصالحهم من جهة أخرى. وفي مثل هذه السياقات تصبح المؤسسات القضائية فضاءً أساسياً للفصل في النزاعات واختبار قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين مختلف الحقوق والحريات.
وعليه، فإن الجلسة المرتقبة يوم 25 يونيو لا تمثل مجرد محطة إجرائية جديدة في ملف شخصي، بل تشكل مناسبة لمتابعة قضية أصبحت تختزل جزءاً من النقاش العمومي الدائر حول تدبير الاختلاف داخل المجتمع، وحدود النقد السياسي، والعلاقة بين المشاريع التنموية وحقوق المواطنين. وبين مقتضيات القانون ومتطلبات الحرية، يبقى الرهان الأكبر هو ترسيخ دولة المؤسسات القادرة على إدارة خلافاتها في إطار احترام الحقوق والضمانات القانونية للجميع.