
بقلم إدريس أُوهلال
لم يعد العالم يتغيّر بالطريقة التي اعتدنا فهمها. لقد تجاوز الأمر حدود التطور التدريجي، ودخلنا زمناً تتشابك فيه الأزمات والتقنيات والقرارات والمصائر بصورة غير مسبوقة، حتى صار الإنسان يعيش داخل عالم لا يكاد يفهم منطقه الكامل، رغم أنه يمتلك أكبر كمٍّ من المعلومات في التاريخ.
هذه هي الفكرة الجوهرية التي حاول عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران أن ينبهنا إليها في كتابه الشهير: «مدخل إلى الفكر المركّب».
فالإنسان المعاصر، في نظر موران، لا يعاني من نقص المعرفة، بل من طريقة التفكير نفسها. نحن نعرف الكثير، لكننا نفهم قليلاً. نمتلك تفاصيل مذهلة عن الأشياء، لكننا نفقد الصورة الكبرى التي تربطها ببعضها. لقد نجح العقل الحديث في تفكيك العالم، لكنه فشل في إعادة تركيبه.
لقد قسّم العلم المعاصر الواقع إلى تخصصات مغلقة: الاقتصاد منفصل عن الاجتماع، والسياسة منفصلة عن الأخلاق، والتقنية منفصلة عن الفلسفة، والتعليم منفصل عن الحياة. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه التخصصات إلى جزر معرفية معزولة، يعرف كل منها جزءاً صغيراً من الحقيقة، لكنه يعجز عن رؤية الحقيقة كاملة. ولهذا كان موران ينتقد ما يسميه «الذكاء الأعمى»؛ أي ذلك العقل الذي يستطيع تحليل الجزئيات بدقة مذهلة، لكنه يفشل في فهم العلاقات المعقدة بين الأشياء.
واليوم، بعد عقود من كتابة هذا الكتاب، يبدو العالم وكأنه يقدّم البرهان العملي على صحة أفكار موران.
خذ الذكاء الاصطناعي مثالاً.
لقد انطلقت البشرية في سباق تقني هائل لإنتاج أنظمة أكثر ذكاءً وكفاءة، لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه اليوم هو: ماذا يمكن أن يحدث للمجتمع والإنسان والعمل والتعليم والسياسة عندما تدخل هذه الأنظمة في كل شيء دفعة واحدة؟ فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل ظاهرة مركبة تمس الاقتصاد، وسوق العمل، والأمن، والثقافة، والأخلاق، والهوية، وحتى معنى الإنسان نفسه. ولذلك فإن التعامل معه بعقلية تقنية محضة يشبه محاولة فهم المحيط عبر فحص قطرة ماء فقط.
الأمر نفسه ينطبق على الأزمات البيئية.
لقد تعامل العالم طويلاً مع البيئة بوصفها ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد والتنمية، لكن الواقع كشف أن المناخ والطاقة والغذاء والهجرة والصراعات والأوبئة كلها حلقات داخل منظومة واحدة. فالجفاف قد يتحول إلى أزمة غذاء، وأزمة الغذاء قد تنتج اضطرابات اجتماعية، والاضطرابات قد تنتج موجات هجرة، والهجرة قد تعيد تشكيل السياسات والتحالفات الدولية.
ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك أيضاً بعض نماذج التميز المؤسسي والإدارة الحديثة التي تتعامل مع المؤسسة بوصفها مجموعة وظائف متجاورة: الموارد البشرية، والمالية، والتشغيل، والجودة، والتسويق… ثم تقترح تطوير كل وظيفة في مسار مستقل، وكأن تحسين الأجزاء سيقود تلقائياً إلى نضج الكل. لكن الواقع يكشف أن كثيراً من الإخفاقات المؤسسية لا تنتج من ضعف الوظائف منفردة، بل من ضعف العلاقات بينها، ومن غياب التكامل في الرؤية والقرار والتدفق المعرفي. فقد تمتلك المؤسسة إدارة موارد بشرية متقدمة، ونظام جودة متطوراً، وبنية تقنية قوية، لكنها تبقى عاجزة عن تحقيق أثر حقيقي لأن هذه المكونات تعمل كجزر منفصلة لا كمنظومة حيّة مترابطة.
وهنا تظهر أهمية الفكر المركّب عند إدغار موران؛ إذ يدعونا إلى الانتقال من عقلية “تحسين الأجزاء” إلى عقلية “فهم العلاقات”، لأن المشكلة في الأنظمة المعقدة لا تكمن دائماً في العناصر نفسها، بل في طريقة اتصالها وتفاعلها وتأثير بعضها في بعض.
إنه عالم العلاقات المتشابكة الذي تحدث عنه موران مبكراً.
حتى المؤسسات الحديثة بدأت تعاني من هذا العجز في التفكير. فكثير من المؤسسات ما تزال تُدار بعقلية «البرنامج الثابت»؛ خطط صارمة، ونماذج جامدة، وافتراض أن المستقبل يمكن التنبؤ به بالكامل. لكن الواقع الجديد يتحرك بسرعة أكبر من أي خطة مغلقة. ولهذا أصبحت المؤسسات الأكثر نجاحاً اليوم ليست تلك التي تمتلك أفضل الإجراءات فقط، بل تلك التي تمتلك أعلى قدرة على التكيّف والتعلّم وإعادة التموضع.
وهنا يميز موران بين «البرنامج» و«الاستراتيجية»؛ فالبرنامج يصلح في البيئات المستقرة، أما الاستراتيجية فهي فن الحركة داخل اللايقين، والقدرة على تعديل المسار أثناء السير، والتعامل مع المفاجآت بوصفها جزءاً من الواقع لا استثناءً عليه. ولعل هذا ما جعل كثيراً من المشاريع العملاقة تتعثر رغم ضخامة الموارد، بينما نجحت كيانات صغيرة لأنها كانت أكثر مرونة وقدرة على قراءة التحولات.
إن الفكر المركّب عند موران لا يعني الفوضى، كما يظن البعض، ولا يعني الاستسلام للغموض، بل يعني الاعتراف بأن الواقع أكبر من أي تفسير أحادي. إنه دعوة إلى عقل يستطيع أن يربط دون أن يخلط، وأن يميّز دون أن يفصل، وأن يرى الجزء داخل الكل، والكل داخل الجزء.
ولهذا فإن أزمة عصرنا ليست فقط أزمة اقتصاد أو سياسة أو تعليم، بل أزمة فهم بالدرجة الأولى. نحن نعيش زمناً تتسارع فيه التحولات أكثر من قدرتنا على تفسيرها.
فكلما ازدادت المعرفة، ازداد التعقيد.
وكلما تضخمت البيانات، تقلّص الفهم العميق. وكلما توسعت قدرات الإنسان التقنية، ازدادت حاجته إلى حكمة فكرية وأخلاقية تضبط اتجاه هذه القوة.
من هنا تبدو أهمية إدغار موران اليوم أكبر من أي وقت مضى. فالرجل لم يكن يقدّم نظرية معرفية معزولة، بل كان يحاول أن يعلّم الإنسان كيف يفكر داخل عالم لم يعد بسيطاً، ولا مستقراً، ولا قابلاً للفهم عبر النماذج القديمة. لقد أدرك مبكراً أن المستقبل لن يكون لمن يمتلك المعلومات فقط، بل لمن يمتلك القدرة على الربط بين المعارف، وفهم العلاقات الخفية، ورؤية الصورة الكلية وسط الضجيج الهائل للتفاصيل.. وهذا بالضبط هو التحدي الحقيقي لعصرنا.