Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

صناعة الخوف : قراءة سوسيولوجية لظاهرة الافارقة جنوب الصحراء

بقلم ذ . صدقي سعيد

في زمن تتداخل فيه الحدود بين المحلي والعالمي، وتنهار فيه الفواصل القديمة بين الهويّات، تصبح ظواهر مثل توافد المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى المغرب أكثر من مجرد حركة بشرية عابرة. إنها لحظة مفصلية تكشف هشاشة البناء الاجتماعي، وتضع الدولة والمجتمع أمام أسئلة صعبة عن الهوية، الأمن، والعدالة الاجتماعية.

علم الاجتماع لا يُعنى بالحكم، بل بالفهم؛ ولذلك فإن مقاربة ظاهرة الاكتساح المكثف للمهاجرين الأفارقة للساحات العامة، وما يصاحبها أحيانًا من تصرفات عنيفة أو استفزازية، تقتضي الغوص في البنيات الأعمق: الفقر، الهروب من الصراعات، غياب السياسات الدولية العادلة، وأيضًا هشاشة مؤسسات الاستقبال المغربية. هؤلاء ليسوا مجرد “مخالفين”، بل أفراد تائهون بين جغرافيات الإقصاء.

لكن لماذا هذا التوتر الاجتماعي بين المغاربة والمهاجرين؟

الجواب لا يكمن في “العرق” بحد ذاته، بل في التحولات التي يعيشها المغرب:

تصاعد البطالة والاحتقان الاجتماعي.

غياب أفق حقيقي للشباب.

تضييق الخناق على الشباب المغربي، ثم فجأة، يرى المواطن أن هناك مجموعات أفريقية تتحرك بحرية، بل تمارس عنفًا في بعض الأحيان، دون محاسبة تُذكر،مما يدفعنا للسؤال:

هل نحن أمام محاولة لتحويل خوف الناس الاجتماعي إلى خوف أمني؟

نعم، إلى حد كبير. لقد تعوّد المغرب على استثمار “الخوف” كآلية للضبط السياسي والاجتماعي. ففي لحظة يزداد فيها ضغط المواطنين على الدولة، وتتصاعد فيها مطالب العدالة والعيش الكريم، تبرز شخصيات جديدة تُقدَّم كتهديد: المهاجرون، الغرباء، “السود الذين يحتلون الشوارع”.

بهذا المعنى، يُعاد توجيه قلق المواطن من النظام نحو “الآخر” المختلف عنه. يُقال له ضمنيًا: “اصمت، فهناك من هو أكثر قهرًا منك، وهناك من هو مستعد للامتثال”. وهذه لعبة سياسية قديمة تُعيد إنتاج الطاعة، لكن بثوب جديد.

إن سكوت المسؤولين عن تصاعد هذه التوترات، والتعامل معها كأمر طبيعي أو عرضي، ليس بريئًا. إنه صمت يدل على عجز من جهة، وتواطؤ من جهة أخرى. فالمغرب، في سعيه للعب دور “رائد في إفريقيا”، يحتضن سياسات هجرة جديدة، لكنه لا يملك الإمكانيات الثقافية والاجتماعية والمؤسساتية لذلك. فيصير الفضاء العام مسرحًا لانفجار الاحتقان بين المهمَّشين: المغربي والمهاجر.

ييدو أنه، ما بدأ كملف اقتصادي وإنساني، بدأ يتحول إلى خطاب عرقي مقلق. حين يقول بعض المهاجرين إن “المغرب بلد إفريقي للسود”، ويُقابل هذا بخطاب مضاد يُشيطنهم، فإننا أمام تصدّع خطير في الهوية الجماعية. الحرب العرقية تبدأ بخطاب رمزي، وتنتهي بجروح لا تندمل. وغياب خطاب رسمي واضح، ونقدي، يزيد من تأجيج الوضع.

ما نعيشه اليوم في المغرب ليس فقط ظاهرة “مهاجرين أفارقة”، بل مرآة مشروخة لواقع مغربي مأزوم: شباب محبط، دولة تفتقر لسياسة اجتماعية فعالة، ومجتمع تتغذى نخبه الإعلامية والسياسية من خطاب التخويف والتفرقة.

المطلوب اليوم ليس القطيعة، ولا الشيطنة، بل حوار شجاع حول العدالة، الهوية، وحدود القدرة على الاستقبال. فبدون ذلك، نحن لا نحل الأزمة، بل فقط نؤجل انفجارها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.