
بقلم ذ.غزلان ازندور
ليست المشكلة في أن يحقق بلد ما النمو، او أن يوسع بنياته التحتية، او يجذب الاستثمار؛ فتلك مقومات ضرورية للتنمية. المشكلة تبدا حين تتحسن المؤشرات الاقتصادية بينما تظل المسافات الاجتماعية والمجالية واسعة، أو حين تكون قدرة بعض الفئات والمجالات على الاستفادة من التحول الاقتصادي أكبر بكثير من غيرها. عندها يصبح السؤال الأهم ليس فقط: كم أنتجنا من الثروة؟ بل ماذا فعلت هذه الثروة بالمجتمع؟ ومن استفاد منها؟
هذا السؤال هو، في جزء منه، نتيجة للتطور الذي عرفه مفهوم التنمية نفسه. فبعد أن ارتبط، خصوصا في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بالنمو والتصنيع وارتفاع الدخل، انتقل النقاش تدريجيا إلى التشغيل وتلبية الحاجات الأساسية وإعادة التوزيع، قبل أن تجعل مقاربة التنمية البشرية الإنسان وقدراته واختياراته في قلب العملية التنموية. ومع أجندة التنمية المستدامة لم تعد اللامساواة مجرد “أثر اجتماعي” للنمو، بل أصبح تقليصها هدفا تنمويا في حد ذاته، يقوم على تكافؤ الفرص والإدماج وسياسات الأجور والجباية والحماية الاجتماعية.
ويمكن اختصار هذا التحول في مبدأ بسيط لكنه عميق: ألا يترك أحد خلف الركب. وليس المقصود به فقط البحث، في نهاية مسار التنمية، عن الذين لم يستفيدوا منه من أجل مساعدتهم بل بناء التنمية منذ البداية بطريقة تقلل عدد الذين يمكن أن تتركهم خلفها.
لهذا كان أمارتيا سن محقا حين نقل النقاش من امتلاك الموارد إلى القدرة الفعلية على تحويلها إلى حياة يمكن للإنسان أن يختارها. فالدخل مهم، لكنه لا يكفي إذا لم يتحول إلى تعليم وصحة وأمن اجتماعي وقدرة على المشاركة والعمل والاختيار. وقد يمتلك شخصان الموارد نفسها نظريا، بينما تختلف إمكاناتهما جذريا بسبب المجال الذي يعيشان فيه، ونوعية المدرسة والخدمات الصحية والنقل وفرص الشغل المتاحة لكل منهما.
وهنا تدخل الفوارق الاجتماعية في صلب قضية التنمية.فاللامساواة ليست فقط وجود أغنياء وفقراء. إنها أيضا تفاوت في نقطة الانطلاق: في المدرسة التي يلجها الطفل، وفي نوع العلاج المتاح، وفي شبكة النقل، وفي فرصة الحصول على عمل مستقر، وفي قدرة الأسرة على مواجهة المرض أو البطالة دون الانحدار إلى الهشاشة.
ليست العدالة، في المقابل، مساواة حسابية تجعل الجميع يملكون الشيء نفسه. فجون راولز نفسه يقبل بوجود تفاوتات اقتصادية واجتماعية، لكنه يضع لها شرط أخلاقيا ومؤسساتيا حاسما: تكافؤ منصف للفرص، وأن تكون الترتيبات الاقتصادية في مصلحة الأقل حظا أيضا، لا أن تتحسن أوضاع الفئات الأقوى بينما يبقى الاخرون خارج مسار التقدم.
المشكلة تبدأ إذن حين تتحول الفوارق إلى الية لإعادة إنتاج نفسها: دخل أعلى يتيح تعليم أفضل، والتعليم الأفضل يفتح فرصا مهنية أوسع، فتزداد القدرة على نقل الامتياز نفسه إلى الجيل التالي؛ بينما تسير الأسر الأقل حظا في الاتجاه المعاكس.
عندها لا نكون أمام تفاوت في الدخل فقط، بل أمام تفاوت في فرص الحياة والمستقبل.
ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة الحالة المغربية، بعيدا عن ثنائية النجاح أو الفشل.فالمغرب حقق تقدما تنمويا . حيث أن مؤشر التنمية البشرية ارتفع من 0.456 سنة 1990 إلى 0.710 سنة 2023، ما سمح للمغرب بدخول فئة البلدان ذات التنمية البشرية المرتفعة لأول مرة. لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدا عندما ندخل اللامساواة في الحساب: ينخفض المؤشر المعدل بأثرها إلى 0.517. وهذا الفارق لا ينبغي التعامل معه كتفصيل تقني؛ فهو يعني أن جزءا مهما من المكاسب المسجلة في الصحة والتعليم والدخل يفقد من أثره بسبب عدم تساوي توزيعها بين السكان.
والأرقام الوطنية تسير في الاتجاه نفسه.فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، ارتفع معامل جيني لقياس تفاوت مستوى العيش من 39.5% سنة 2014 إلى 40.5% سنة 2022، بعد انخفاضه إلى 38.5% سنة 2019. وفي الفترة نفسها انخفض معدل الفقر المطلق من 4.8% إلى 3.9%. وظل متوسط مستوى عيش السكان الحضريين يعادل نحو 1.9 مرة نظيره لدى السكان القرويين. وهنا تظهر مفارقة أساسية ينبغي ألا تضيع وسط الأرقام:
تقليص الفقر لا يعني بالضرورة تقليص الفوارق.قد يتحسن مستوى عيش الفئات الفقيرة وتنخفض نسبة الفقر، وهو إنجاز مهم، بينما تتسع في الوقت نفسه المسافة بينها وبين الفئات الأكثر استفادة من النمو. لذلك لا يمكن تقييم التنمية بمقدار انخفاض الفقر وحده ينبغي كذلك قياس قدرتها على تقريب المواقع الاجتماعية وتوسيع إمكانية الصعود بينها.
بل إن المندوبية نفسها أصبحت تعتمد مقاربة للفقر متعدد الأبعاد تتجاوز الإنفاق والدخل إلى الحرمان في التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية، وتؤكد أن هذه المقاربة تكشف تفاوتات قد تخفيها المؤشرات النقدية، وأن تفاوتات جهوية وإقليمية وجماعية مهمة ما تزال قائمة. والأكثر دلالة أن المندوبية تربط هذه المقاربة صراحة بمواجهة إعادة الإنتاج الاجتماعي للفقر وتعزيز الإنصاف.
وهنا يلتقي القياس الإحصائي مع السؤال السياسي: هل يكون مكان ولادة الإنسان أو دخل أسرته عاملا محددا بدرجة كبيرة لما يمكنه أن يصبح عليه؟ إذا كان الجواب نعم، فإننا نكون أمام مسألة عدالة، لا مجرد مسألة فقر.
ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر مع بناء الدولة الاجتماعية في المغرب. فقد أصبحت الحماية الاجتماعية والدعم وإصلاح الصحة جزء مركزيامن الاختيارات العمومية. وهذا تطور مهم ينبغي تثمينه، لكنه يفرض في الوقت نفسه توضيح ما الذي نعنيه بالدولة الاجتماعية.
فالدولة الاجتماعية ليست فقط دولة توزع إعانات.وقد كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حتى قبل الأوراش الحالية، يدعو في تقريره حول الحماية الاجتماعية إلى توسيع نطاقها وتحسين فعاليتها وانسجامها وإنصافها وجودة خدماتها وحكامتها. أي أن الحماية لا تفهم فقط من زاوية عدد المستفيدين، بل من زاوية الحق والإنصاف والجودة والنجاعة. وهنا ينبغي التمييز بين مستويين.
هناك دولة اجتماعية تعويضية تتدخل حين ينتج المجتمع الفقر والهشاشة، فتحد من اثارهما بالدعم والتحويلات وشبكات الحماية. وهذه وظيفة ضرورية لا يمكن التقليل من شأنها. لكن هناك مستوى أكثر طموحا: الدولة الاجتماعية التحويلية أي التي لا تكتفي بإدارة نتائج الهشاشة، بل تتدخل في الشروط التي تنتجها أصلا: المدرسة، الصحة، التشغيل، الأجور، الجباية، السكن، الاستثمار العمومي، التفاوت المجالي، وإمكانات المشاركة الاقتصادية للنساء والشباب.
وهذا ليس تصورا نظريا بعيدا عن النقاش المؤسساتي المغربي. فعندما درس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وضع الطبقة الوسطى، وضع ضمن مداخل تعزيزها وتوسيعها: سياسات ميزانياتية وجبائية تعيد توزيع الدخل وتقلص الفوارق، وتحسين جودة الخدمات الاجتماعية، وتقوية الرأسمال البشري، والتمكين الاقتصادي للنساء، وبناء طبقة وسطى قروية.وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن قضية الدولة الاجتماعية لا تخص الفقراء وحدهم.
بين الفقر واليسر توجد فئات واسعة قد تكون بعيدة عن خط الفقر إحصائيا، لكنها قريبة من الهشاشة اجتماعيا: مرض مكلف، فقدان وظيفة، عبء السكن أو تعليم الأبناء يمكن أن يغير موقع الأسرة سريعا. لذلك لا يكفي أن تمتلك الدولة سياسة لمحاربة الفقر؛ تحتاج أيضا إلى مجتمع يسمح بتوسيع الطبقة الوسطى وحمايتها ويجعل الحركية الاجتماعية ممكنة.
ومن هنا يمكن إعادة صياغة الإشكال التنموي المغربي: ليس السؤال ما إذا كان المغرب يتطور أم لا، فهناك مؤشرات واضحة على التقدم. السؤال هو مدى قدرة هذا التقدم على تقليص المسافة بين مواقع المجتمع ومجالاته.
فالطريق والميناء والقطار والمنطقة الصناعية والاستثمار الأجنبي عناصر ضرورية لبناء اقتصاد قوي. لكن قيمتها التنموية لا تقاس فقط بحجم الاستثمار الذي تستقطبه او القيمة التي تنتجها، بل كذلك بما تخلقه من عمل، وما تحدثه من حركية اجتماعية، وما تضيفه إلى موارد المجال المحيط بها، ومدى قدرتها على توسيع دائرة المستفيدين منها.
ولهذا فإن وضع النمو والعدالة في مواجهة بعضهما يمثل اختيارا زائفا لا يمكن توزيع ثروة لم يتم إنتاجها، لكن إنتاج الثروة لا يصبح تنمية مكتملة إذا لم يتحول إلى توسيع للقدرات والحقوق والفرص.
بل إن الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة يربط اليوم تقليص اللامساواة مباشرة بتكافؤ الفرص وبسياسات الجباية والأجور والحماية الاجتماعية، بما يعني أن إعادة التوزيع لم تعد مسألة تأتي خارج النمو الاقتصادي، بل إحدى أدوات جعل هذا النمو أكثر شمولا واستدامة.
وهنا نصل إلى المعضلة الأساسية: لا ينبغي أن تتحول السياسة الاجتماعية إلى جهاز لإصلاح ما تتركه التنمية خلفها.فإذا كانت اختيارات اقتصادية وتعليمية ومجالية تنتج باستمرار الهشاشة والتفاوت، ثم تتدخل الدولة بعد ذلك لتقديم الدعم لمن تضرروا منها، فإن السياسة الاجتماعية ستظل في موقع التعويض الدائم.
أما الدولة الاجتماعية الأكثر نضجا، فهي التي تجعل العدالة جزء من طريقة إنتاج التنمية نفسها.وهذا يغير أيضا طريقة تقييم نجاح الدولة الاجتماعية. فلا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كم عدد المستفيدين من الدعم؟ بل كذلك: كم مواطنا أصبح، بفضل المدرسة والصحة والعمل والحماية والاستثمار العادل، أقل عرضة للحاجة إلى الدعم مستقبلا؟
وهنا يستعيد مبدأ “ألا يترك أحد خلف الركب” معناه الأكثر عمقا: ليس الهدف أن نواصل السير ثم نعود في النهاية لالتقاط الذين تخلفوا، وإنما أن نصمم الطريق نفسه بحيث يصبح عدد الذين يمكن أن يتخلفوا أقل. لذلك ربما لم يعد السؤال التنموي الأكثر أهمية بالنسبة إلى المغرب هو: كم ننمو؟ بل: كيف ننمو؟ ولصالح من؟ وأي مجتمع ينتجه هذا النمو؟
لأن التنمية التي ترفع المتوسطات وتترك الفوارق تتجذر تحتاج إلى مساءلة، والتنمية التي تحسن حياة الناس لكنها لا توسع فرص الصعود الاجتماعي تظل غير مكتملة.اما الدولة الاجتماعية فلا ينبغي أن تكون فقط الدولة التي تساعد من تركتهم التنمية خلفها، بل الدولة التي تعيد بناء شروط التنمية بحيث تصبح أقل إنتاجا للهشاشة وأكثر إنتاجا للقدرات والفرص والكرامة والعدالة.التنمية والفوارق الاجتماعية:
من نمو المؤشرات إلى مطلب الدولة الاجتماعية
ليست المشكلة في أن يحقق بلد ما النمو، او أن يوسع بنياته التحتية، او يجذب الاستثمار؛ فتلك مقومات ضرورية للتنمية. المشكلة تبدا حين تتحسن المؤشرات الاقتصادية بينما تظل المسافات الاجتماعية والمجالية واسعة، أو حين تكون قدرة بعض الفئات والمجالات على الاستفادة من التحول الاقتصادي أكبر بكثير من غيرها. عندها يصبح السؤال الأهم ليس فقط: كم أنتجنا من الثروة؟ بل ماذا فعلت هذه الثروة بالمجتمع؟ ومن استفاد منها؟
هذا السؤال هو، في جزء منه، نتيجة للتطور الذي عرفه مفهوم التنمية نفسه. فبعد أن ارتبط، خصوصا في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بالنمو والتصنيع وارتفاع الدخل، انتقل النقاش تدريجيا إلى التشغيل وتلبية الحاجات الأساسية وإعادة التوزيع، قبل أن تجعل مقاربة التنمية البشرية الإنسان وقدراته واختياراته في قلب العملية التنموية. ومع أجندة التنمية المستدامة لم تعد اللامساواة مجرد “أثر اجتماعي” للنمو، بل أصبح تقليصها هدفا تنمويا في حد ذاته، يقوم على تكافؤ الفرص والإدماج وسياسات الأجور والجباية والحماية الاجتماعية.
ويمكن اختصار هذا التحول في مبدأ بسيط لكنه عميق: ألا يترك أحد خلف الركب. وليس المقصود به فقط البحث، في نهاية مسار التنمية، عن الذين لم يستفيدوا منه من أجل مساعدتهم بل بناء التنمية منذ البداية بطريقة تقلل عدد الذين يمكن أن تتركهم خلفها.
لهذا كان أمارتيا سن محقا حين نقل النقاش من امتلاك الموارد إلى القدرة الفعلية على تحويلها إلى حياة يمكن للإنسان أن يختارها. فالدخل مهم، لكنه لا يكفي إذا لم يتحول إلى تعليم وصحة وأمن اجتماعي وقدرة على المشاركة والعمل والاختيار. وقد يمتلك شخصان الموارد نفسها نظريا، بينما تختلف إمكاناتهما جذريا بسبب المجال الذي يعيشان فيه، ونوعية المدرسة والخدمات الصحية والنقل وفرص الشغل المتاحة لكل منهما.
وهنا تدخل الفوارق الاجتماعية في صلب قضية التنمية.فاللامساواة ليست فقط وجود أغنياء وفقراء. إنها أيضا تفاوت في نقطة الانطلاق: في المدرسة التي يلجها الطفل، وفي نوع العلاج المتاح، وفي شبكة النقل، وفي فرصة الحصول على عمل مستقر، وفي قدرة الأسرة على مواجهة المرض أو البطالة دون الانحدار إلى الهشاشة.
ليست العدالة، في المقابل، مساواة حسابية تجعل الجميع يملكون الشيء نفسه. فجون راولز نفسه يقبل بوجود تفاوتات اقتصادية واجتماعية، لكنه يضع لها شرط أخلاقيا ومؤسساتيا حاسما: تكافؤ منصف للفرص، وأن تكون الترتيبات الاقتصادية في مصلحة الأقل حظا أيضا، لا أن تتحسن أوضاع الفئات الأقوى بينما يبقى الاخرون خارج مسار التقدم.
المشكلة تبدأ إذن حين تتحول الفوارق إلى الية لإعادة إنتاج نفسها: دخل أعلى يتيح تعليم أفضل، والتعليم الأفضل يفتح فرصا مهنية أوسع، فتزداد القدرة على نقل الامتياز نفسه إلى الجيل التالي؛ بينما تسير الأسر الأقل حظا في الاتجاه المعاكس.
عندها لا نكون أمام تفاوت في الدخل فقط، بل أمام تفاوت في فرص الحياة والمستقبل.
ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة الحالة المغربية، بعيدا عن ثنائية النجاح أو الفشل.فالمغرب حقق تقدما تنمويا . حيث أن مؤشر التنمية البشرية ارتفع من 0.456 سنة 1990 إلى 0.710 سنة 2023، ما سمح للمغرب بدخول فئة البلدان ذات التنمية البشرية المرتفعة لأول مرة. لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدا عندما ندخل اللامساواة في الحساب: ينخفض المؤشر المعدل بأثرها إلى 0.517. وهذا الفارق لا ينبغي التعامل معه كتفصيل تقني؛ فهو يعني أن جزءا مهما من المكاسب المسجلة في الصحة والتعليم والدخل يفقد من أثره بسبب عدم تساوي توزيعها بين السكان.
والأرقام الوطنية تسير في الاتجاه نفسه.فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، ارتفع معامل جيني لقياس تفاوت مستوى العيش من 39.5% سنة 2014 إلى 40.5% سنة 2022، بعد انخفاضه إلى 38.5% سنة 2019. وفي الفترة نفسها انخفض معدل الفقر المطلق من 4.8% إلى 3.9%. وظل متوسط مستوى عيش السكان الحضريين يعادل نحو 1.9 مرة نظيره لدى السكان القرويين. وهنا تظهر مفارقة أساسية ينبغي ألا تضيع وسط الأرقام:
تقليص الفقر لا يعني بالضرورة تقليص الفوارق.قد يتحسن مستوى عيش الفئات الفقيرة وتنخفض نسبة الفقر، وهو إنجاز مهم، بينما تتسع في الوقت نفسه المسافة بينها وبين الفئات الأكثر استفادة من النمو. لذلك لا يمكن تقييم التنمية بمقدار انخفاض الفقر وحده ينبغي كذلك قياس قدرتها على تقريب المواقع الاجتماعية وتوسيع إمكانية الصعود بينها.
بل إن المندوبية نفسها أصبحت تعتمد مقاربة للفقر متعدد الأبعاد تتجاوز الإنفاق والدخل إلى الحرمان في التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية، وتؤكد أن هذه المقاربة تكشف تفاوتات قد تخفيها المؤشرات النقدية، وأن تفاوتات جهوية وإقليمية وجماعية مهمة ما تزال قائمة. والأكثر دلالة أن المندوبية تربط هذه المقاربة صراحة بمواجهة إعادة الإنتاج الاجتماعي للفقر وتعزيز الإنصاف.
وهنا يلتقي القياس الإحصائي مع السؤال السياسي: هل يكون مكان ولادة الإنسان أو دخل أسرته عاملا محددا بدرجة كبيرة لما يمكنه أن يصبح عليه؟ إذا كان الجواب نعم، فإننا نكون أمام مسألة عدالة، لا مجرد مسألة فقر.
ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر مع بناء الدولة الاجتماعية في المغرب. فقد أصبحت الحماية الاجتماعية والدعم وإصلاح الصحة جزء مركزيامن الاختيارات العمومية. وهذا تطور مهم ينبغي تثمينه، لكنه يفرض في الوقت نفسه توضيح ما الذي نعنيه بالدولة الاجتماعية.
فالدولة الاجتماعية ليست فقط دولة توزع إعانات.وقد كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حتى قبل الأوراش الحالية، يدعو في تقريره حول الحماية الاجتماعية إلى توسيع نطاقها وتحسين فعاليتها وانسجامها وإنصافها وجودة خدماتها وحكامتها. أي أن الحماية لا تفهم فقط من زاوية عدد المستفيدين، بل من زاوية الحق والإنصاف والجودة والنجاعة. وهنا ينبغي التمييز بين مستويين.
هناك دولة اجتماعية تعويضية تتدخل حين ينتج المجتمع الفقر والهشاشة، فتحد من اثارهما بالدعم والتحويلات وشبكات الحماية. وهذه وظيفة ضرورية لا يمكن التقليل من شأنها. لكن هناك مستوى أكثر طموحا: الدولة الاجتماعية التحويلية أي التي لا تكتفي بإدارة نتائج الهشاشة، بل تتدخل في الشروط التي تنتجها أصلا: المدرسة، الصحة، التشغيل، الأجور، الجباية، السكن، الاستثمار العمومي، التفاوت المجالي، وإمكانات المشاركة الاقتصادية للنساء والشباب.
وهذا ليس تصورا نظريا بعيدا عن النقاش المؤسساتي المغربي. فعندما درس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وضع الطبقة الوسطى، وضع ضمن مداخل تعزيزها وتوسيعها: سياسات ميزانياتية وجبائية تعيد توزيع الدخل وتقلص الفوارق، وتحسين جودة الخدمات الاجتماعية، وتقوية الرأسمال البشري، والتمكين الاقتصادي للنساء، وبناء طبقة وسطى قروية.وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن قضية الدولة الاجتماعية لا تخص الفقراء وحدهم.
بين الفقر واليسر توجد فئات واسعة قد تكون بعيدة عن خط الفقر إحصائيا، لكنها قريبة من الهشاشة اجتماعيا: مرض مكلف، فقدان وظيفة، عبء السكن أو تعليم الأبناء يمكن أن يغير موقع الأسرة سريعا. لذلك لا يكفي أن تمتلك الدولة سياسة لمحاربة الفقر؛ تحتاج أيضا إلى مجتمع يسمح بتوسيع الطبقة الوسطى وحمايتها ويجعل الحركية الاجتماعية ممكنة.
ومن هنا يمكن إعادة صياغة الإشكال التنموي المغربي: ليس السؤال ما إذا كان المغرب يتطور أم لا، فهناك مؤشرات واضحة على التقدم. السؤال هو مدى قدرة هذا التقدم على تقليص المسافة بين مواقع المجتمع ومجالاته.
فالطريق والميناء والقطار والمنطقة الصناعية والاستثمار الأجنبي عناصر ضرورية لبناء اقتصاد قوي. لكن قيمتها التنموية لا تقاس فقط بحجم الاستثمار الذي تستقطبه او القيمة التي تنتجها، بل كذلك بما تخلقه من عمل، وما تحدثه من حركية اجتماعية، وما تضيفه إلى موارد المجال المحيط بها، ومدى قدرتها على توسيع دائرة المستفيدين منها.
ولهذا فإن وضع النمو والعدالة في مواجهة بعضهما يمثل اختيارا زائفا لا يمكن توزيع ثروة لم يتم إنتاجها، لكن إنتاج الثروة لا يصبح تنمية مكتملة إذا لم يتحول إلى توسيع للقدرات والحقوق والفرص.
بل إن الهدف العاشر من أهداف التنمية المستدامة يربط اليوم تقليص اللامساواة مباشرة بتكافؤ الفرص وبسياسات الجباية والأجور والحماية الاجتماعية، بما يعني أن إعادة التوزيع لم تعد مسألة تأتي خارج النمو الاقتصادي، بل إحدى أدوات جعل هذا النمو أكثر شمولا واستدامة.
وهنا نصل إلى المعضلة الأساسية: لا ينبغي أن تتحول السياسة الاجتماعية إلى جهاز لإصلاح ما تتركه التنمية خلفها.فإذا كانت اختيارات اقتصادية وتعليمية ومجالية تنتج باستمرار الهشاشة والتفاوت، ثم تتدخل الدولة بعد ذلك لتقديم الدعم لمن تضرروا منها، فإن السياسة الاجتماعية ستظل في موقع التعويض الدائم.
أما الدولة الاجتماعية الأكثر نضجا، فهي التي تجعل العدالة جزء من طريقة إنتاج التنمية نفسها.وهذا يغير أيضا طريقة تقييم نجاح الدولة الاجتماعية. فلا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كم عدد المستفيدين من الدعم؟ بل كذلك: كم مواطنا أصبح، بفضل المدرسة والصحة والعمل والحماية والاستثمار العادل، أقل عرضة للحاجة إلى الدعم مستقبلا؟
وهنا يستعيد مبدأ “ألا يترك أحد خلف الركب” معناه الأكثر عمقا: ليس الهدف أن نواصل السير ثم نعود في النهاية لالتقاط الذين تخلفوا، وإنما أن نصمم الطريق نفسه بحيث يصبح عدد الذين يمكن أن يتخلفوا أقل. لذلك ربما لم يعد السؤال التنموي الأكثر أهمية بالنسبة إلى المغرب هو: كم ننمو؟ بل: كيف ننمو؟ ولصالح من؟ وأي مجتمع ينتجه هذا النمو؟
لأن التنمية التي ترفع المتوسطات وتترك الفوارق تتجذر تحتاج إلى مساءلة، والتنمية التي تحسن حياة الناس لكنها لا توسع فرص الصعود الاجتماعي تظل غير مكتملة.اما الدولة الاجتماعية فلا ينبغي أن تكون فقط الدولة التي تساعد من تركتهم التنمية خلفها، بل الدولة التي تعيد بناء شروط التنمية بحيث تصبح أقل إنتاجا للهشاشة وأكثر إنتاجا للقدرات والفرص والكرامة والعدالة.