Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

جدل سفريات الوفود الجماعية بتيزنيت.. بين شرعية التعويضات وأسئلة الأخلاق والشفافية

أعاد النقاش الدائر حول مشاركة وفد من جماعة تيزنيت والمجلس الإقليمي في برنامج تبادل دولي مع مدينة غرونوبل الفرنسية إلى الواجهة أسئلة قديمة ومتجددة تتعلق بتدبير المال العام، ومعايير اختيار المشاركين في الوفود الرسمية، وحدود التمييز بين ما هو قانوني وما هو أخلاقي في تدبير الشأن المحلي.

وكان الناشط المدني والمهتم بالشأن المحلي سعيد رحم قد أثار الموضوع عبر تدوينة أكد فيها أنه لا يعارض برامج التبادل الدولي من حيث المبدأ، معتبراً إياها آلية مهمة لتبادل الخبرات وتعزيز التعاون بين الجماعات الترابية، غير أنه تساءل عن شفافية تدبير هذه البرامج، خاصة فيما يتعلق بتعويضات التنقل وتركيبة الوفد المشارك.

واستحضر رحم تجربة أول برنامج تبادل دولي بين جماعة تيزنيت ومدينة ساندوني الفرنسية سنة 2005، مشيراً إلى أن أعضاء الوفد آنذاك لم يستفيدوا من أي تعويضات، بل تكفلوا بمصاريف تنقلهم بأنفسهم، وهو ما اعتبره نموذجاً مختلفاً في التعامل مع المال العام.

وفي معرض انتقاده للوفد الحالي، اعتبر أن تركيبته تضم كفاءات معروفة وقادرة على تقديم قيمة مضافة حقيقية، إلى جانب أسماء أخرى يرى أنها لا تتوفر على المبررات الكافية للمشاركة، واصفاً الأمر بما يشبه “جبر الخواطر والإرضاءات”. كما طرح تساؤلات حول حجم النفقات المخصصة للتنقل والتعويضات اليومية، داعياً إلى نشر معايير الاختيار وأسماء المشاركين والمهام المنوطة بكل واحد منهم.

في المقابل، رد رئيس جماعة تيزنيت عبد الله غازي موضحاً أن تعويضات التنقل الخاصة بالمنتخبين منصوص عليها ضمن بنود الميزانية الجماعية منذ سنوات، وأنها معطيات متاحة للعموم وتخضع للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل. كما أكد أن البرنامج التبادلي مع مدينة غرونوبل يندرج ضمن مشروع تعاون مؤسساتي مدعوم من وزارة الداخلية المغربية والمديرية العامة للجماعات الترابية ووزارة الخارجية الفرنسية.

وشدد غازي على أن مشاركته في مثل هذه البرامج لا تحركها الاعتبارات المالية، مبرزاً أنه خلال سنوات عضويته بمجلس النواب لم يكن حريصاً على الاستفادة من فرص السفر المرتبطة بالمهام البرلمانية، وأن العديد من تنقلاته السابقة لتمثيل الجماعة كانت على نفقته الخاصة.

أما بخصوص الانتقادات المرتبطة بتركيبة الوفد، فقد اختار رئيس الجماعة الرد بلغة أدبية، معتبراً أن الحكم على قيمة المشاركين ينبغي أن يكون من خلال نتائج العمل وما سيقدمه كل فرد من إضافة للمشروع.

وعقب هذا التفاعل، عاد سعيد رحم ليشيد بما وصفه بروح التواصل والانفتاح التي أبداها رئيس الجماعة، مؤكداً أن النقاش العمومي يظل الوسيلة الديمقراطية الأنجع لتوضيح المعطيات ومواجهة الإشاعات. لكنه جدد في الوقت ذاته سؤاله المركزي حول ما إذا كان أعضاء الوفد المنتخبون سيختارون التنازل طوعاً عن تعويضات التنقل، أسوة بما أعلن عنه رئيس الجماعة.

وتتجاوز أهمية هذا النقاش حدود واقعة سفر بعينها، إذ يطرح قضية أعمق تتعلق بالحكامة المحلية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة. فالقانون قد يجيز صرف التعويضات ويؤطرها بشكل واضح، لكن الرأي العام يظل معنياً أيضاً بالجانب الأخلاقي المرتبط بترشيد النفقات وضمان تكافؤ الفرص واعتماد الكفاءة معياراً أساسياً في تمثيل الجماعات الترابية.

وبين تأكيد المسؤولين على قانونية الإجراءات ومطالبة الفاعلين المدنيين بمزيد من الشفافية، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء نموذج تدبير يوفق بين احترام القانون والاستجابة للانتظارات المتزايدة للمواطنين في مجال النزاهة والحكامة الجيدة.

وفي انتظار توضيحات إضافية حول نتائج هذه المهمة الدولية ومخرجاتها العملية بالنسبة لمدينة تيزنيت، يظل السؤال الذي يطرحه جزء من الرأي العام المحلي قائماً: هل تُبنى الوفود الرسمية على أساس الكفاءة والقيمة المضافة، أم أن اعتبارات المجاملة والإرضاءات ما زالت تجد لها مكاناً في بعض محطات التدبير المحلي؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.