
تيزنيت في وداع الطيب الحياني… رجل التربية والذاكرة المحلية.
بقلم ذ . احمد بومزكَو
بسم الله الرحمن الرحيم
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، نودع اليوم هامة من هامات مدينة تيزنيت، ورجلاً من رجالاتها الأبرار، المشمول برحمة الله، الفقيد الطيب بن محمد الحياني، الذي أسلم الروح إلى بارئها يومه الخميس 12 مارس 2026. وتوثيقا لمسار هذا الطود الشامخ، وعرفاناً بخدماته الجليلة وتضحياته، نضع بين أيديكم هذه النبذة البيوغرافية التي ترصد أهم المحطات في حياته، بقلم الأستاذ والباحث أحمد بومزكو:
رأى الفقيد الطيب بن محمد الحياني النور في 1 شتنبر 1938بتيزنيت. وفي بواكير طفولته، ألحقه والده بالكتاب القرآني ليأخذ مبادئ التعلم الأولى على يد الفقيه أحمد أوبوبكر بمسجد “إدزكري”، لينتقل بعدها للأخذ عن كل من سيدي أحمد أسملال وسيدي إبراهيم أولعين بمسجد “إدضلحة.
تابع دراسته النظامية بالمدرسة الإسلامية بساحة المشور، حيث تتلمذ على يد نخبة من المدرسين والمدرسات نذكر منهم: العربي المتوكَي والسيدة بن الشيخ والسيدة ستيان والسيدة لازريني ومحمد بن العلام ومحمد ند اوعدي ومحمد حجي. وبموازاة مع مساره التعليمي الصفي، أبدى شغفاً مبكراً باكتساب المهارات العملية، مما دفعه للانخراط في ورشات حرفية -تكوينية؛ فتعلم فن التسفير على يد المرحوم محمد بوركوز، وتلقن مبادئ الميكانيك في ورشة أفقير مارشي ثم مع بينتاضو.
وفي سنة 1952، قاده طموحه للارتحال إلى أكادير بنية الانخراط في سلك ضباط البحرية، غير أن مساره هناك توقف مبكراً إثر خلاف مع الإدارة. ليعود بعدها إلى تزنيت، حيث عاود التسجيل بالمدرسة الإسلامية بفضل تدخل من الباشا الفاطمي، ليتوج هذا المسار بالحصول على الشهادة الابتدائية (Premier degré) برسم السنة الدراسية 1956-1957
وفي خضم الحماسة الوطنية التي واكبت فجر الاستقلال، وتلبية لنداء الواجب، تطوع للعمل الإداري مع الباشا أحمد أوالطاهر. وخلال هذه الفترة، بصم على مجهود استثنائي إلى جانب الخليفة محمد الخنبوبي في حملة توسيع قاعدة التسجيل في الحالة المدنية، وهو ما أكسبه خبرة ميدانية ووعياً مجتمعياً مبكراً. وبإيعاز من هذا الأخير، وفي إطار الجهود الرامية لسد الخصاص وتعميم التمدرس، شد الرحال نحو تافراوت ليلتحق بالقائد الحاج أحمد أوكَدورت الذي شجعه وقدم له الدعم المادي، كما أوصى به لدى بعض تجار منطقة “أملن”. هناك، أُسندت إليه مهمة التدريس بدوار “إيمي أوكشتيم”. ولأنه كان دائم البحث عن تطوير الذات، استغل تواجده بالمنطقة لحضور حلقات الفقيه المشارط بالمدرسة العتيقة، مما صقل معارفه وعمق رصيده في اللغة العربية.
وبعد انقضاء سنة واحدة، انتقل سنة 1958 للعمل بمدرسة “تالعينت” المحدثة آنذاك والتابعة لتزنيت، تحت إشراف المدير يوسف باطاحي. ولم يتوقف طموحه المعرفي عند هذا الحد، بل انخرط في التكوين الذاتي عن طريق المراسلة، مما خوله نيل شهادة الدروس المدرسية (CEN) سنة 1960.
وتدرج الفقيد في مساره المهني متنقلا بين عدة محطات، شملت: العوينة، إدغ، أسيل، بونعمان، ليستقر به المقام مدة طويلة في “إغرم أولاد جرار”. وفي هذه المحطة، لم يقتصر دوره على التلقين، بل برز حسه الإنساني العالي؛ فبالنظر لحالة الهشاشة التي كابدت منها ساكنة القرية، كان يتكفل شخصياً بمصاريف بعض التلاميذ المعوزين من اقتناء للوازم المدرسية ومصاريف التسجيل في الحالة المدنية، تحفيزاً لهم على التحصيل. وقد تخرجت على يده أجيال من المتعلمين النبهاء الذين حفظوا له هذا الجميل، أمثال بوجمعة جيمي وعبد الله بن الطالب وغيرهم.
وبعد عقد كامل من العطاء التربوي، قدم استقالته من سلك التعليم سنة 1967، ليختار طريق الهجرة نحو أوروبا. كانت فرنسا محطته الأولى، ليتجه بعدها إلى بلجيكا، حيث اجتاز بتفوق امتحان سياقة الحافلات والترامواي. وبناء على كفاءته، تم انتقاؤه للعمل في الشركة المدبرة لقطاع النقل بالعاصمة بروكسيل، وظل يمارس مهامه بكل تفان وجدية إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1996.
وإلى جانب مساره المهني والتربوي الحافل، يعد الفقيد من المصادر الشفوية الموثوقة التي اعتمدت في توثيق الذاكرة المحلية لمدينة تزنيت؛ فبفضل ذاكرته المتقدة ومعايشته لتلك الحقبة، كان له الفضل الأوفى في استرجاع وتدوين حلقات ومحطات مفصلية من تاريخ المدينة وذاكرتها الجماعية إبان فترة الحماية، مما جعله مرجعا حيا للباحثين والمهتمين بحفظ التراث المحلي.
وقد طوى الموت يومه الخميس 12 مارس 2026 صفحة هذا الرجل العصامي الذي جمع بين الكفاح الوطني، والعطاء التربوي، ونبل الأخلاق، تاركا وراءه سيرة عطرة وذكراً طيباً في كل المحطات التي مر بها. نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجزيه خير الجزاء عما قدمه لمجتمعه ولوطنه، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. إنا لله وإنا إليه راجعون.
التوزيع الشهري بقلم الفقيد
