Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

من سوس إلى تامسنا والغرب: سيرة هجرة وهوية في زمن التحولات رحلة سوسي بين ذاكرة تمازيرت وأسئلة الاندماج والانتماء

من سوس إلى تامسنا والغرب: سيرة هجرة وهوية في زمن التحولات.

حين غادرتُ “تمازيرت” في سهل ماسة قبل سنوات، حاملاً آمال عائلتي وبعد مسار من التحصيل العلمي بجامعة ابن زهر، لم أكن أتصور أنني لن أحصل فقط على شهادة عليا في التاريخ، بل سأصبح بدوري جزءاً من ظاهرة طالما درستها نظرياً: الهجرة السوسية الداخلية.

كنت أعتقد أنني أسافر إلى الرباط لاستكمال دراستي بجامعة محمد الخامس، لكنني اكتشفت سريعاً أنني أعبر في الواقع بين عالمين؛ عالم يفصله عن موطني أقل من سبعمائة كيلومتر، لكنه يختزن قروناً من التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

الرباط، العاصمة الإدارية بهدوئها وهيبتها المخزنية، لم تكن مجرد محطة جامعية، بل كانت مرآة كاشفة. في ممرات الكليات، وفي المقاهي الممتدة على طول شارع محمد الخامس، وفي أسواق العكاري ويعقوب المنصور، وحتى داخل العمارات الحديثة المطلة على أحياء الرياض وأكدال، كنت ألتقي يومياً بأبناء سوس.

كنت أتعرف عليهم من ملامحهم، ومن نبرة دارجتهم التي تحمل آثار اللسان الأمازيغي، ومن إشارات خفية لا يلتقطها إلا من تشبع بثقافة المنطقة. غير أن أولى المفارقات التي استوقفتني كانت أن الصورة الرائجة عن “سطوة التجار السوسيين” أو “لوبي سوس” لم تكن تنطبق على معظم من التقيتهم.

في إحدى أمسيات الرباط، جلست بمقهى معروف بشارع محمد الخامس إلى جانب شاب أنيق، يتحدث الفرنسية بطلاقة ويحمل كل مؤشرات النجاح الاجتماعي. وبعد حديث طويل، اكتشفت أنه ابن تاجر جملة من إنزكان، ويدير وكالة أسفار ناجحة. لم يظهر عليه شيء من ملامح الهوية السوسية إلا في لحظة خاطفة حين خاطب النادل بكلمة أمازيغية عابرة.

سألته إن كان يتحدث الأمازيغية مع أبنائه، فأجاب مبتسماً: “سوس في قلبي، لكن باريس في حقيبتي.”

غادر مسرعاً، وبقيت أتأمل تلك الجملة القصيرة التي اختزلت جانباً من التحولات التي يعيشها كثير من أبناء الهجرة السوسية داخل المغرب وخارجه.

خلال تجوالي في أسواق العاصمة، من باب الحد إلى المدينة العتيقة والمناطق التجارية الحديثة، بدأت ألاحظ ظاهرة أخرى. بحكم تخصصي في التاريخ واهتمامي بالأنثروبولوجيا الاقتصادية، كنت أقرأ المدن من خلال تحولات فضاءاتها التجارية. فكل فترة كنت أصادف محلات ومستودعات عُلّقت عليها لافتات البيع أو الكراء، بعدما انتقل أصحابها السوسيون إلى استثمارات أكبر أو إلى مجالات مهنية جديدة، أو غادروا البلاد نحو آفاق أخرى.

ومع كل محل يُغلق، كان يتولد لدي إحساس مزدوج بالحضور والغياب. فقد ساهم السوسيون في بناء أجزاء واسعة من الحياة التجارية للمدن المغربية، ثم انتقلوا إلى مراحل أخرى من الصعود الاقتصادي، تاركين وراءهم فضاءات حملت آثارهم لسنوات طويلة.

وتذكرت حينها مقولة شيخ سوسي عرفته ذات يوم:

“السوسي يبني سوقاً ثم يغادرها ليبدأ سوقاً جديدة. لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بالحركة.”

كلما توسعت ملاحظاتي، ازداد اقتناعي بأن أثر السوسيين لا يقتصر على الرباط وحدها. ففي سلا وتطوان وطنجة والدار البيضاء ومراكش وأقاليم الغرب ودكالة وعبدة، يتكرر المشهد بأشكال مختلفة. حضور اقتصادي واجتماعي واضح، يقابله في كثير من الأحيان تراجع تدريجي لبعض مظاهر الهوية الأصلية.

لكن السؤال الذي ظل يؤرقني كان أبعد من الاقتصاد والتجارة: أين يوجد اليوم السوسي الذي يتحدث عنه الجميع؟ وهل ما زال يحتفظ بذاته الثقافية واللغوية في المدن التي استقر بها؟

كنت أقارن بين بيتنا القديم في سوس، حيث كانت الأمازيغية لغة الحياة اليومية، وحيث يعرف الجيران بعضهم بعضاً جيلاً بعد جيل، وبين الشقق الحديثة في الرباط، حيث قد يعيش الجار إلى جانب جاره سنوات طويلة دون أن يعرف اسمه الكامل أو أصوله.

في سوس، كنا نفتخر بلغتنا وثقافتنا ورموزنا الفنية والتراثية، من الروايس إلى الحكايات الشعبية والذاكرة الجماعية. أما في المدينة الكبرى، فقد التقيت بسوسيين كثيرين يخفون لكنتهم أو يتجنبون استعمال لغتهم الأم في الفضاءات العامة، خشية الأحكام المسبقة أو رغبة في الاندماج السريع.

ومن هنا بدأ سؤال الهوية يفرض نفسه بإلحاح:

هل نحن الذين نغيّر المدن؟ أم أن المدن هي التي تغيّرنا وتمحو بعض ملامحنا ببطء؟

على امتداد سنة كاملة، تحولت هذه التساؤلات إلى مشروع بحث شخصي. التقيت بعشرات الطلبة والتجار والأطر والمديرين من أبناء سوس المقيمين بالرباط وسلا. سألتهم عن علاقتهم بموطنهم الأصلي، وعن حضور اللغة الأمازيغية في بيوتهم، وعن شعورهم بالانتماء، وعن نظرتهم إلى صورة السوسي في المخيال الجماعي المغربي.

كما سألتهم عن الفراغ الذي يتركونه خلفهم في قراهم ومدنهم الأصلية، وعن أثر الهجرة الداخلية في إعادة تشكيل الهوية السوسية نفسها.

هذه الأسئلة، وما رافقها من شهادات وتجارب وتأملات، ستكون موضوع هذه السلسلة من المقالات التي تحاول فهم أوهام الاندماج، وبقايا الهوية، ووجع الإنسان السوسي الذي غادر جباله وسهوله ذات يوم، ليصنع لنفسه مكاناً في شوارع وأسواق المغرب، دون أن يتوقف عن البحث عن جزء من ذاته تركه هناك… في تمازيرت.

الحسين بوالزيت صحافي وباحث في التاريخ

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.