
إشكالية تطبيق القانون 53.19 وتأثيره على المحاسبين المهنيين في المغرب
بقلم محاسب مهني
لا شك أن مهنة المحاسب تعتبر من المهن الحيوية والمهمة في تنظيم وإدارة الحسابات المالية للمقاولات والهيئات، فهي تلعب دوراً محورياً في ضمان شفافية المعاملات وتحقيق العدالة المالية. المحاسب المهني يتمتع بخبرة واسعة ومهارات عالية تمكنه من تقديم خدمات متخصصة مثل مسك الحسابات، والإشراف عليها، وتصحيحها، وكذلك العمل في مجال المحاسبة الجنائية التي تتطلب التحقيق والتحليل المالي للكشف عن الاحتيال المالي وإعداد التقارير القانونية وتقديم شهادات الخبراء في المحاكم.
لكن مع إصدار القانون 53.19 المتمم للقانون 127.12، الذي يهدف إلى تنظيم مهنة المحاسب المعتمد في المغرب، ظهرت العديد من الإشكالات والانتقادات التي عبر عنها المحاسبون المهنيون، خصوصاً فيما يتعلق بالإقصاء والتأثير السلبي الذي يمكن أن يحدثه تطبيق هذا القانون على هذه.
1ـ أهداف القانون 53.19 وتأثيراته
القانون 53.19 جاء ليحل محل القوانين السابقة، وهو يهدف إلى تنظيم مهنة المحاسبين المعتمدين، وتحديد شروط مزاولتها، بما في ذلك فرض معايير صارمة تؤكد على المهنية والكفاءة. الهدف الأساسي للقانون هو الحد من الفوضى التي كانت تعرفها المهنة، وضمان جودة الخدمات المقدمة من طرف المهنيين الذين يتمتعون بالكفاءة والخبرة اللازمة.
ولكن على الرغم من هذه الأهداف النبيلة، فإن هناك قلقاً مشروعاً حول التأثيرات السلبية للقانون، خاصة على المحاسبين الذين كانوا يزاولون المهنة قبل صدوره. هؤلاء المحاسبون يرون أن القانون قد أتى بمعايير صارمة جداً، أدت إلى إقصاء عدد كبير منهم رغم خبرتهم الطويلة في الميدان.
2ـ الإقصاء المفاجئ والمرحلة الانتقالية
أحد أبرز الإشكالات التي واجهها المحاسبون هي المرحلة الانتقالية التي حددها القانون، والتي تنتهي في غشت 2025. بعد هذا التاريخ، سيصبح أي محاسب لا يمتلك صفة “محاسب معتمد” عرضة للمتابعة القانونية بتهمة “انتحال صفة”. هذا الوضع أثار قلقاً كبيراً، حيث أن العديد من المحاسبين الذين كانوا يمارسون المهنة لسنوات طويلة وجدوا أنفسهم مهددين بالإقصاء دون مبررات كافية.
بعض المحاسبين الذين مارسوا المهنة منذ التسعينات وحتى عام 2018 وجدوا أنفسهم خارج نطاق القانون الجديد بسبب عدم تقديم ملفاتهم في الوقت المناسب أو لعدم استيفاء الشروط المطلوبة، مثل الشريك غير المسير الذي تم إقصاؤه رغم أنه كان يعمل أجيراً ويتبع النظام الأساسي للمهنة.
3ـ شروط الترشيح والإقصاء المجحف
من بين الانتقادات الرئيسية التي وجهها المحاسبون المهنيون للقانون 53.19 هي الشروط الصارمة التي وضعت لنيل صفة محاسب معتمد. فقد فرض القانون شروطاً دقيقة تتعلق بالممارسة الفعلية وتقديم وثائق محددة في إطار زمني ضيق، دون مراعاة لبعض الحالات الإنسانية مثل المرض أو العجز الذي حال دون تقديم الملفات في الوقت المناسب.
هناك العديد من الأمثلة على الإقصاء المجحف، منها حالة محاسب تقدم بشهادة طبية تثبت عجزه عن تقديم ملفه في الوقت المحدد، ورغم ذلك تم رفض شهادته. هذا النوع من الإقصاء جعل المحاسبين يشعرون بعدم العدالة، خاصة وأن القانون لم يأخذ بعين الاعتبار ظروفهم الخاصة، سواء كانت مرضية أو إدارية.
4ـ مخالفة الدستور وإعدام الحقوق المكتسبة
يشير العديد من المحللين القانونيين إلى أن القانون 53.19 يتناقض مع دستور 2011، خاصة الفصل السادس الذي ينص على عدم رجعية القوانين. هذا الفصل يعني أن أي شخص كان يزاول مهنة المحاسبة قبل صدور القانون لا يجب أن يتم إقصاؤه بناءً على شروط جديدة.
في هذا السياق، نجد أن العديد من المحاسبين الذين كانوا مسجلين في الضريبة المهنية، ولديهم سجل تجاري من المحكمة التجارية، وجدوا أنفسهم مهددين بالإقصاء رغم أنهم كانوا يمارسون المهنة بشكل قانوني ومستوفين للشروط السابقة. هذا الإقصاء تسبب في مخاوف كبيرة تتعلق بتشرد عائلات المحاسبين الذين سيفقدون مصدر رزقهم، خصوصاً مع اقتراب انتهاء المرحلة الانتقالية في غشت 2025.
5ـ تأثيرات اجتماعية واقتصادية
تطبيق القانون 53.19 دون مراعاة الفئات المتضررة قد يؤدي إلى نتائج اجتماعية واقتصادية كارثية. المحاسبون الذين سيتم إقصاؤهم سيفقدون مصدر رزقهم، مما سيؤدي إلى تشرد أسرهم وعائلاتهم. ليس هذا فحسب، بل إن هؤلاء المحاسبين لديهم مستخدمون يعملون تحت إدارتهم، وهؤلاء أيضاً سيجدون أنفسهم مهددين بفقدان وظائفهم.
من ناحية أخرى، يرى المحاسبون المهنيون أن القانون يتجاهل الوثائق التي تم الحصول عليها من إدارات الدولة مثل الضريبة المهنية والسجل التجاري، ويتعامل معها وكأنها بلا قيمة. هذا الموقف أثار تساؤلات حول مصداقية تلك الوثائق ومدى تأثيرها على الأوضاع القانونية للمحاسبين.
6ـ دعوات إلى مراجعة القانون
نتيجة لكل هذه الإشكالات، بدأت تظهر دعوات قوية من طرف المحاسبين المهنيين ومنظمات المجتمع المدني إلى ضرورة مراجعة القانون 53.19. المحاسبون يطالبون بضرورة إعادة النظر في الشروط الصارمة المفروضة عليهم، والعمل على إيجاد حلول توافقية تضمن لهم الاستمرار في ممارسة مهنهم بشكل قانوني دون الإضرار بمصالحهم.
المحاسبون يرون أن القانون يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة لكل محاسب، وأن يتم السماح بفترة انتقالية أطول تتيح لهم تسوية أوضاعهم القانونية. كما يجب أن يتم النظر في الشهادات والوثائق التي حصلوا عليها في الماضي، واعتمادها كدليل على الكفاءة المهنية.
7ـالخلاصة
في النهاية، يمكن القول إن القانون 53.19، رغم نواياه الحسنة في تنظيم مهنة المحاسب المعتمد، قد أتى بتحديات كبيرة لفئة واسعة من المحاسبين المهنيين. عدم التناسب بين شروط القانون وواقع المهنيين أدى إلى إقصاء العديد منهم بشكل مجحف، مما يستدعي مراجعة شاملة لهذا القانون بهدف تحقيق التوازن بين مصلحة الدولة والمحاسبين المهنيين وضمان حماية حقوقهم المكتسبة.
من المهم أن تعمل الجهات المسؤولة على الاستماع إلى أصوات المحاسبين المتضررين، والبحث عن حلول تضمن تحقيق العدالة للجميع.