منعم وحتي: فيدرالية اليسار الديمقراطي على بوابة الانتخابات المقبلة…

ما أصعب أن تفتقد البوصلة في قراءة مرحلة سياسية ما، ولا يبقى عند التيه إلا التمسك بالتصورات الاستراتيجية البعيدة المدى، وطهرانيتنا المعهودة، ألا يجدر بنا تفكيك معطيات الواقع والشروط الموضوعية الآنية دون بكائيات مرحلة المد الجماهيري والسياسي السابقة ولا التنطع على الواقع الملموس برومانسية المشروع المستقبلي دون تفاصيل تمرحله المادي.
إنه من المطروح على فيدرالية اليسار الديمقراطي، في إطار تفاعلات المعركة الانتخابية، أن يعي مناضلوها سمات المرحلة التي يعتمل فيها فعلهم لحسم الموقف بشكل علمي، والتي تتميز بخمس محددات أساسية :
1) سياق المرحلة الحالية يتميز بجزر سياسي عكس مرحلة المد التي عشناها إبان حركة 20 فبراير، والتي قاطعنا فيها الدستور الممنوح.
2) ارتباك دار المخزن فيما يخص حسم سيناريوهات المرحلة الحالية، رغم تحكمها الاستبدادي.
3) احتقان اجتماعي وفورة جماهيرية خارج تأطيرنا الفعلي.
4) تميزنا بالنقاء السياسي والفكري غير المفعل ميدانيا.
5) محيط دولي يتفاعل في إطار مرحلة انتقالية متسارعة و مضببة المعالم مستقبليا.
يكثر اللغط الداخلي و الخارجي مع اقتراب كل عملية انتخابية داخل أطياف اليسار المناضل، بين الجذب نحو المقاطعة كخيار دائم وطهراني لدى البعض، وخيار مشارك دائم وأوتوماتيكي لدى البعض الآخر، إن النقاش الهادئ داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي يخلص إلى اعتبار الانتخابات لحظة مهمة جدا للنزول بثقل اليسار لمعركة إشعاع مشروعه، وفي الان ذاته لحظة عابرة في المعركة الكبرى للنضال الديمقراطي الجماهيري.
إن حرب المواقع التي تخوضها لوبيات الخريطة المخزنية الحالية، من خلال التحضير للتحكم في العملية الانتخابية، ومحاولتهم إدامة سيطرتهم على تسيير الشأن المحلي والجماعي والبرلماني، بمناورة فرض تقطيع مناطقي يخدم تجدد فساد الأعيان، استمرار اللوائح الانتخابية بشوائب الإغراق التحكمي السابق، ورفض أي تصويت بالبطاقة الوطنية قد يعري نسب المشاركة الحقيقية، وكذا التهرب من إشراف هيئة مستقلة على الانتخابات، وتخوف الدولة من قبول التحالفات الحزبية كمشروع انتخابي حزبي موحد، كلها مطبات تفرض على الفيدرالية معركة مسبقة قبل اللحظة الانتخابية، بمنطق تجاوز المقعد الشاغر في انتخابات القرب الجماعية والتي تهم تسيير الشأن المحلي للمواطنين، والإعداد الجيد لمشروع تشريعي يقدم للمواطنين قبل الخصوم.
إن مدخل المعركة الانتخابية بالنسبة للفيدرالية يتمثل في الدخول في حملة نوعية قوية، تهدف إلى إنزال تصورنا الديمقراطي وقيم اليسار حول القوانين الانتخابية وهي معركة حتى من يعتبرون أنفسهم غير معنيين بها في تقديرهم.
لا بد أن هواجس الالة المخزنية الفاسدة لقطع الطريق على صعود أي حركة يسارية حقيقية لتدبير الشأن العام، حكمت بعض القراءات للفصول المنظمة للعملية، في محاولة لاستهداف الفيدرالية لتقدمها بلوائح مشتركة في الاستحقاقات السابقة، لهذا فمن المهم الدفاع على تغيير القانون للقبول بتكتل يساري قوي في الانتخابات المقبلة، أخذا بعين الاعتبار الطروحات التي تخص إرساء تشريعات عادلة والدفاع عن المعيش اليومي للناس وإرساء ديمقراطية محلية بنموذجنا اليساري، دون نسيان الانتخابات المهنية التي تهم قطاعات انتاجية حيوية، وواهم من يحمل شعار المشاركة النضالية فقط، لأن الدخول للمعركة الانتخابية يستلزم بالضرورة الصراع بقيمنا الديمقراطية من أجل المقاعد وثقة الناس.
إن ارتكاز فيدرالية اليسار الديمقراطي على أدبياتها بتبنيها للنضال الديمقراطي الجماهيري، لن يستقيم إلا بالتأسيس وفي القريب العاجل لذراع جماهيري قوي، نكون رافعته الأساسية لتحريك النضالات الجماهيرية التي تهم الحقوق الاجتماعية للمغاربة، والتي تنتهكها بشكل ممنهج الأدوات المخزنية شبه الحاكمة، و ستبقى استراتيجيته الأساسية امتلاك قاعدة خلفية و لوجيستيكية للمعارك الجماهيرية المقبلة، تتقاطع و تتناغم مع المعارك النقابية و الجماهيرية العادلة.
خلاصات للمستقبل حول تقييم التجربة الانتخابية السابقة :
إن مساراً يرسم ملامح يسار المستقبل، يتطلب تعديل خطواته بشكل علمي، وهو تقييم وتقويم ضروري لتجاوز اعطاب الحركة، فيما يلي 10 تدقيقات في المعركة الانتخابية المقبلة لفيدرالية اليسار الديمقراطي :
1- إن العزوف على المشاركة والذي وصل إلى حدود مهولة، نسبه غير مشكلة بالضرورة من مقاطعين ومناصرين واعين بمشروع التيارات المقاطعة للانتخابات.
2- إن الخزان الانتخابي المخزني ثابت وفي اتجاه الانحدار مقابل تزايد جيش العازفين عن الانتخابات، والعزوف غير المقاطعة الواعية بمراميها.
3- إن الخزان الانتخابي المناصر لمشروع فيدرالية اليسار الديمقراطي في تزايد، لكنه غير مترجم بالممارسة التي تقتضي التسجيل في اللوائح الانتخابية وممارسة حق الاختيار بالتصويت.
4- إن آليات اشتغال مناضلي فيدرالية اليسار انتخابياً من الضروري أن تتغير، بتطوير أداء الآلة الانتخابية محليا ومركزيا من ناحية الدعاية الميدانية.
5- إن العامل المادي واللوجستيكي والوسائط الجماهيرية للقرب مع المواطنين محددة في التواصل الانتخابي.
6- إن الدعاية المضادة من داخل أحزمة اليسار، والتي تخلق جواً من البلبلة حول الأهداف الكبرى من إيصال مشروع اليسار عبر المعركة الانتخابية، تقتضي معركة توضيح قبلية بمدة زمنية كافية عن اللحظة الانتخابية.
7- إن لوائح الفيدرالية من الآن يجب فتح التداول فيها مع كل اليسار النظيف والديمقراطيين والتقدميين، بآليات تنظيمية مرنة لا تخل بمبادئ مشروع اليسار الفيدرالي.
8- إن مركز ثقل المعركة الانتخابية يجب أن يتحول من المركز إلى المداشر والقرى والمدن، فتغطية كل المكاتب يمكن أن تحد من إغفال مراقبة اكتساح التزوير للنتائج في المناطق البعيدة غير المغطاة تنظيميا.
9- إن وضوح البرنامج والمرامي بدقة مسألة أساسية، لكن طبيعة بيئة الاشتغال تتطلب إيلاء أهمية قصوى لطغيان الروابط القبلية والعائلية كموروث للأخذ بعين الاعتبار، في تشكيل نخب ديمقراطية ويسارية لتدبير الشأن المحلي.
10- إن لحظات تقييم أداء المحطات الانتخابية، مفصلية، ليس لاستنباط الدروس العامة فقط، لكن بدراسة مرقمة وحسابية لتطور تأثير مشروعنا اليساري، بقاعدة بيانات وبمؤشرات للمتابعة بغض النظر عن النتيجة الحالية، فدراستها بدقة تفتح مجال تعديل المسار وإنجاحه في محطات قادمة.
إن النضال الديمقراطي الجماهيري الذي اختارته فيدرالية اليسار الديمقراطي سبيلا للتغيير المجتمعي، الانتخابات جزء من معاركه المهمة، بجانب واجهات نضال الشارع والتعبئة النضالية في بقية القطاعات العمالية والشبابية والنسائية والجمعوية…، وكذا القراءة المشتركة لطرق تعاملنا مستقبلا وفق الموقف السياسي الجماعي من المعارك الجماهيرية للمغاربة.
إن إشعال شموع يسارية في اللحظة أكثر فعالية من لعنة الظلام، فلنفعل تبنينا للنضال الديمقراطي الجماهير على الأرض.