
بقلم خديجة الباز – برلمانية
تتجاوز القراءة الفلسفية للمسارات والبرامج السياسية الكبرى منطق الحسابات العددية الضيقة، لتنتقل بالمالية العامة من تقنية محاسباتية للجداول إلى رؤية مجتمعية قوامها الإنسان. فالميزانية في عمقها ليست تمرينا رياضيا في التوازن بين المداخيل والمصاريف، بل مرآة تعكس الخيارات الأيديولوجية للدولة، وجدول أعمال قيمي يحدد أولوياتها الأخلاقية والسياسية، ما يؤكد أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يمثل وثيقة فكرية تؤسس لجوهر التوازنات الوطنية؛ إذ يتقاطع المشروع، في جيناته وعقيدته، تلقائيا مع المرجعية الفكرية والهوية النضالية لحزب التقدم والاشتراكية، القائمة على المرجعيات الفكرية التقدمية والحداثية والمنحازة تاريخيا وقيميا لقضايا الكادحين وتحقيق العدالة الاجتماعية. ويتجلى عمق الفهم السياسي للتوازنات في كون هذا المشروع يأتي بمثابة مصالحة تاريخية لتصحيح الاختلال البنيوي الناجم عن الفصل القسري بين معادلة الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ إن التركيز الراسخ على الدولة الاجتماعية، ودعم المرفق العمومي، وتحصين السيادة الاقتصادية، يبرز استيعابا كاملا لكون توازن المجتمع وتماسكه وترسيخ الأمن الاجتماعي يشكل صمام الأمان والضامن الأساسي لاستقرار توازنات الدولة والمحافظة على قرارها السيادي المستقل ، ومع ذلك، يظل هذا التقاطع رهينا بمدى التنزيل الفعلي لهذه التدابير وعمق أجرأتها على أرض الواقع؛ لضمان الانتقال من منطق التوازنات المالية الضيقة إلى تحقيق تحول بنيوي يكرس الكرامة الإنسانية والتوزيع العادل للثروات على أرض الواقع. كما يسهم هذا التوجه الفكري في تفكيك وإنهاء الهيمنة الفكرية النيوليبرالية التي اختزلت حقوق المواطنة طيلة سنوات في مؤشرات رقمية صماء تخدم حسابات الأرقام على حساب الإنسان، مستوعبا أن المؤشرات الاقتصادية لا تجد شرعيتها في توازناتها الباردة بل في مدى قدرتها على إنتاج العدالة ومحو الفوارق، ليعيد التأسيس لمقاربة تترجم مبادئ الديمقراطية الاجتماعية الحية التي تجعل من العنصر البشري المبتدأ والخبر والهدف الأسمى للتنمية، مستثمرا التراكم الإيجابي والمكاسب التي حققتها المملكة في الأوراش الإصلاحية الكبرى، لإعادة الاعتبار للدور التنموي والسيادي للقطاع العام والاستثمار العمومي السيادي كقائد وقاطرة للاستراتيجيات الكبرى.
ويستحضر هذا التحول الهيكلي، بقراءة نقدية هادئة ومتبصرة، حصيلة التجربة الحكومية السابقة التي اتسمت بتكريس منطق الهيمنة الفكرية والعددية والسياسية، ما أنتج أحادية تدبيرية فتحت المجال لتدبير مرتبك وارتجالي أدى إلى تبديد هوامش هامة وموارد مالية ضخمة من الدعم العمومي في قنوات تفتقر للاستهداف الذكي والمؤسساتي، فكانت النتيجة هدرا للفرص التنموية دون أي أثر ملموس يغير واقع الشرائح الاجتماعية المستهدفة. وقد أسفرت تلك الاختيارات النيوليبرالية القائمة على تغليب توازنات السوق المنفلتة وعقيدة التحرير العشوائي، عن إفراز وتوطين ممارسات احتكارية واقتصادية ريعية مست في الصميم بالمعيش اليومي، وأضرت بشكل مباشر بقفة المواطن المغربي؛ هذا المواطن الذي وجد نفسه أحيانا يتحمل بمفرده التكلفة الباهظة والآثار المؤلمة لغياب الرقابة المؤسساتية الصارمة، والتخلي عن آليات التقنين وضبط الأسواق. وهي الاختلالات العميقة التي ظل حزب التقدم والاشتراكية يطرح لتفاديها بدائل عملياتية ومسؤولة نابعة من عمق مرجعيته التقدمية وتنادي بضرورة إعادة الهيكلة البنيوية، وترتكز أساسا على التفعيل الحقيقي والكامل لأدوار مجلس المنافسة كآلية دستورية لكسر شوكة الاحتكار والتركيز الاقتصادي، والإقرار الجريء لآلية تسقيف أسعار المواد الاستراتيجية والحيوية لحظر المضاربات، فضلا عن تقنين وضبط هوامش الربح الفاحشة للوبيات المحروقات وسلاسل الوساطة التجارية التي تقتات على حساب جيوب المواطنين، إيمانا راسخا من الحزب بأن حماية القدرة الشرائية وضبط الأسواق هما المدخل الإجباري وصمام الأمان الأساسي لتحصين السلم الاجتماعي واستقرار الوطن.
وفي هذا الصدد، وعلى مستوى العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة الوطنية، يجسد مشروع قانون المالية لسنة 2027، من خلال البرنامج الحكومي، التنزيل السليم والفعلي الموجه بالرؤية الملكية المستنيرة لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، والتي أطرها النموذج التنموي الجديد الذي جعل من الدولة الاجتماعية خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه لبناء مغرب العدالة والكرامة؛ منتقلا بالتدخل العمومي حاسما من منطق السخاء الإحساني والتدابير الظرفية المؤقتة، إلى مأسسة الحقوق الدستورية الراسخة وإرساء دعائم دولة الرعاية التضامنية الشاملة والتأسيس للعقد الاجتماعي الجديد. ويتجلى هذا التحول النوعي في كون الحماية الاجتماعية لم تعد برامج معزولة أو مسكنات ظرفية، بل تحولت عبر هندسة هذا المشروع إلى منظومة مؤسساتية مستدامة تعيد صياغة العقد الاجتماعي وتضمن الكرامة الإنسانية كأولوية وطنية ثابتة تتجاوز منطق المساعدات الموسمية. كما تتجاوز القرارات الاستراتيجية القاضية بالرفع المباشر من أجور الشغيلة، وتخفيف العبء الضريبي عن الطبقة المتوسطة والأجراء، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي والحماية الصحية لتشمل الفئات الهشة والمتقاعدين والأرامل، حدود المنطق الحسابي الضيق للميزانيات التقشفية الصارمة؛ لتظهر كخيارات سياسية شجاعة وبنيوية تهدف لإنصاف القوى الحية المساهمة في الإنتاج وإعادة التوزيع العادل لفوائض النمو الاقتصادي. وتمثل هذه الاختيارات المتكاملة الجوهر الحقيقي والعملي للفكر الديمقراطي الاجتماعي الهادف إلى الحد من الفوارق الطبقية والمجالية، والتصدي الحازم للتركيز الاقتصادي، بغرض تحصين القوة الشرائية للشعب وحمايتها من تغول الأسواق المنفلتة، وممارسات الاحتكار، وتضارب المصالح التي طالما بررتها العقود النيوليبرالية كآليات تصحيح ذاتي واهية على حساب استقرار المجتمع.
ويمثل التوجه الحالي في مشروع قانون المالية رؤية سياسية حاسمة تقطع تماما مع المقاربات التي تنظر إلى التعليم كخدمة اجتماعية قابلة للتسليع والتسويق، لتعيد الاعتبار إليه كدعامة استراتيجية أساسية لحفظ السيادة الوطنية وتحقيق السلم المجتمعي. وتتجاوز الاعتمادات المالية الضخمة والمناصب المحدثة لقطاع التربية والتكوين المنطق التقني الضيق لتوزيع الموارد، لتتحول إلى أداة سياسية واعية تسعى لرد الاعتبار للمدرسة العمومية باعتبارها المصعد الاجتماعي الكفيل بتقليص الفوارق المجتمعية وطبقات الإقصاء. ويتجسد هذا الاستثمار العمومي كاختيار أيديولوجي يهدف إلى تعزيز جاذبية ومصداقية التعليم الرسمي من خلال تعميم التعليم الأولي وتجويد التعلمات الأساسية، صبا في سياق سياسة استباقية غايتها تمليك الشباب أدوات الانخراط الفاعل في النسيج الإنتاجي، تحصينا للمجتمع من الهشاشة المعرفية، وتحويلا للمعرفة إلى حق ديمقراطي مشاع يخدم التنمية المستقلة للبلاد.
ومن زاوية أخرى، وعلى صعيد الحقوق الأساسية وبناء نموذج التنمية المستدامة، يشكل المشروع خط دفاع سياسي لمواجهة مساعي تسليع الخدمات الحيوية كالتعليم والصحة والتشغيل، عبر إعادة التموقع الاستراتيجي للمرفق العمومي كضامن لتكافؤ الفرص وملاذ آمن للعدالة المجتمعية. وتعد عملية تحويل المدرسة العمومية إلى مصعد اجتماعي حقيقي يضمن التكافؤ والارتقاء الطبقي، وتحديث الخدمات الطبية تحت إشراف منظومة تغطية صحية تضامنية وموحدة، وإقرار ميثاق وطني للشغل اللائق يحمي الشباب من الاستغلال والهشاشة المهنية، اللبنات الأساسية لتقويض المقاربات السابقة التي حاولت خوصصة هذه القطاعات الحيوية وتجريد الدولة من أدوارها الاجتماعية. وتتكامل المقاربة الحكومية عبر تحفيز النسيج الاقتصادي وتكريس الإنصاف المجالي وتحقيق العدالة المجالية بين الجهات والمناطق التي طالها التهميش، بالتوازي مع ترسيخ مقومات الهوية الوطنية المشتركة من خلال التفعيل العملي والمسؤول للطابع الرسمي للغة الأمازيغية في مناحي الحياة العامة.
و إنطلاقا من هذه الاختيارات البنيوية، وفي مواجهة معضلة البطالة البنيوية الناتجة عن اختيارات ريعية ركزت تاريخيا على تضارب المصالح والمضاربات الاستثمارية العقيمة وهامش الربح السريع بدل التأسيس لاقتصاد وطني منتج، يقدم مشروع 2027 استيعابا فعليا لانتظارات الأجيال الصاعدة. إذ يستوجب هذا التوجه نقلا جذريا للسياسات النشيطة للتشغيل من خانة التدابير الترقيعية والمسكنات الظرفية المحدودة إلى مقاربة نسقية متكاملة تضمن الشغل اللائق كحق أساسي للمواطنين وتقطع مع كل أشكال الهشاشة المهنية، ويتطلب الرهان اليوم تحقيق ملاءمة حقيقية ومسؤولة بين مخرجات منظومة التربية والتكوين وحاجيات الاقتصاد الوطني، بما يفرض على الدولة تجاوز منطق الإحصاء السطحي والكمي الضيق، والتوجه نحو خلق فرص شغل مستدامة تعيد الأمل للشباب. حيث يتكامل هذا التوجه بالضرورة مع تمكين المقاولات الصغرى والمتوسطة — باعتبارها النسيج الأكثر إنصافا وقدرة على توفير فرص الشغل وضمان العدالة المجتمعية — من التطوير والاستمرار عبر كسر الهيمنة الاحتكارية للمجموعات الكبرى، وإحداث تسهيل بنيوي وجذري لولوجها إلى التمويل، والأسواق، والصفقات العمومية، لتصبح هذه المقاولات القاطرة الحقيقية للاندماج الاجتماعي والسيادة الاقتصادية.
وارتباطا بالموضوع، يتضح أن التأسيس للدولة الاجتماعية يرتبط بحماية مباشرة ومستمرة للقدرة الشرائية للأسر من تقلبات الأسواق وتغول المضاربين، وهو ما يفرض إقرار قطيعة حاسمة مع فوضى الوساطات الطفيلية وجشع الرأسمالية التي اقتاتت في السنوات الماضية على حساب قوت الأسر وقفّة المواطن.
وهنا فإن تحصين القوة الشرائية للأسر المغربية، وخاصة الفئات المستضعفة والطبقة المتوسطة المعرضة للتآكل الطبقي، يستلزم مأسسة آليات الرصد والاستباق وترسيخ قواعد الحكامة الاستباقية لضمان وفرة المواد الأساسية وتقنين التصدير الجائر لحساب التوازن الوطني، واضعا حدا صارما للممارسات الاحتكارية وتضارب المصالح التي تلتهم ثمار النمو وتعمق الفوارق. ويتجسد الهدف الاستراتيجي في صيانة جيوب المواطنين وكبح ثقافة الربح السريع والفاحش التي سادت في ظل غياب التقنين وضوابط تدخل الدولة.
وتأسيسا على ما سبق، وعلى صعيد الإنصاف الترابي، فإن تفعيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يمثل الرافعة الأساسية لتفكيك بنيات التهميش الإقليمي ورفع الحيف التاريخي الذي خلفته المقاربات المركزية عن العالم القروي والمناطق النائية. ويظهر النجاح في هذا المنعطف التنموي مشروطا بإعادة هندسة جذرية لطرق تدخل الدولة وعلاقتها بالجهات من خلال تفعيل حقيقي للاتمركز الإداري والجهوية المتقدمة، ونقل سلطة القرار ووسائل التنفيذ للمستويات المحلية لإنهاء عهد التفاوتات الترابية. ويشكل ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الشفافية المطلقة عبر الآليات الرقمية المفتوحة للمواطنين، الضامن الوحيد لتحويل الميزانيات المرصودة إلى مشاريع ملموسة تنهي التفاوتات الصارخة وتكفل لجميع المغاربة حظا متساويا في ثروات وطنهم.
وفي هذا الإطار البنيوي، تكتسي السيادة الطاقية أبعادا استراتيجية حاسمة تخرج بها الموازنة المالية من دورها التقليدي المرتبط بتأمين الموارد، إلى أفق سياسي يروم تحصين السيادة الاقتصادية الوطنية لضمان الصلابة الاقتصادية ومناعة الدولة إزاء الهزات الخارجية. وتكشف الفلسفة الموجهة للاستثمارات في هذا المجال عن وعي متقدم بكون التبعية الطاقية شكلت كابحا أمام النمو الاجتماعي ومصدرا لضغط مستمر على المالية العمومية والميزان التجاري، ما يدفع نحو تسريع وتيرة أوراش الطاقات المتجددة، وتطوير البنيات الأساسية للغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر. حيث تتحول هذه الأوراش التنموية إلى آلية حمائية فاعلة لتعزيز القدرة التنافسية للنسيج المقاولاتي الوطني، وتخفيض كلفة الإنتاج لدعم مقومات التصنيع المحلي، بما يسهم مباشرة في حماية الاقتصاد الوطني وتأمين ركائن الدولة الاجتماعية من اضطرابات الأسواق الدولية وحروب الإمداد الجيوسياسية.
ختاما، يبرز رهان تحصين الأمن القومي الاقتصادي ورعاية السيادة الاقتصادية الوطنية كخط دفاع استراتيجي لحماية القرار السيادي للدولة وضمان استدامة المكتسبات الاجتماعية في ظل محيط دولي مضطرب، يرزح تحت وطأة الصراعات الجيوسياسية والأزمات المناخية والطاقية المتواترة. ومن هذا المنطلق، يظهر الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية الكبرى، وتقليص العجز المالي، وضبط المديونية، كوسائل حمائية ضرورية لتقوية كاهل الدولة وصيانة استقلاليتها في مواجهة شروط المؤسسات المالية الدولية. ويستدعي هذا التوجه استثمارات طويلة الأمد لتعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي والرقمي، بما ينهي التبعية البنيوية ويضمن تحويل الفوائض المالية والاقتصادية مباشرة لخدمة جودة حياة المواطن وصيانة كرامته على المدى الطويل.
مشروع قانون المالية للسنة المالية 2027 لا يكتسب قيمته الميدانية من المقتضيات الرقمية أو النوايا المعلنة، بل يتوقف نجاحه الحاسـم على مدى القدرة على تنزيله الميداني والأجرأة الفعلية لاختياراته في أرض الواقع. ومن هذا المنطلق، يظل حزب التقدم والاشتراكية ملتزما بالالتزام السياسي والأخلاقي لمواكبة هذا التوجه والترافع المستمر من خندق النضال الديمقراطي والميداني، لضمان ألا تظل خيارات الدولة الاجتماعية شعارات مرحلية أو توازنات قطاعية معزولة. إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في تحويل الميزانية العامة إلى أداة حقيقية لإعادة توزيع الثروة، وتصحيح الاختلالات المجالية، وتحصين القوة الشرائية للشعب ضد تغول الأسواق والممارسات الاحتكارية؛ بما يجعل من قانون المالية مدخلا نضاليا حاسما لبناء عقد اجتماعي جديد، يقطع نهائيا مع الهيمنة النيوليبرالية ويكرس الكرامة الإنسانية كعنوان عريض لمغرب العدالة والصمود.