Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

حريق «مارشي القدس» بتيزنيت.. شكون المسؤول؟

بقلم سعيد رحم 

لم يكن حريق «مارشي القدس» (مارشي أوبيهي) بمدينة تزنيت، الذي اندلع في الساعات الأولى من صباح اليوم الجمعة، مجرد حادث عرضي خلّف أضراراً مادية جسيمة، بل أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة ومقلقة حول واقع تدبير الأسواق الجماعية، وشروط السلامة والوقاية من الحرائق، وحضور السلطات المعنية في مراقبة الفضاءات التجارية والأحياء المحيطة بها.

صباح اليوم، كان المشهد مؤلماً. تجار فقدوا محلاتهم وسلعهم ومصدر رزقهم الوحيد، وخسائر مالية ثقيلة تهدد أسرهم ومعيشتهم. وهي مأساة حقيقية ألمّت بمرفق حيوي يوجد وسط تجمع سكني وبالقرب من فضاءات إدارية، وكان يمكن أن تكون عواقبها أكبر لولا لطف الله.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبقوة: كيف وصل الوضع إلى هذه النقطة؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

فحسب إفادات عدد من التجار والساكنة، فإن السوق، خلال السنوات الأخيرة، عرف اختلالات متراكمة، خصوصاً خلال الفترة الليلية، مع انتشار مظاهر العشوائية وسلوكيات تثير مخاوف التجار والساكنة، من بينها تعاطي المخدرات ومظاهر أخرى من الانحراف، بحسب ما يتداوله المتضررون.

وإذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحريق اندلع وانتهى، وإنما بمنظومة من الاختلالات كان يفترض أن تكون موضوع مراقبة وتدخل قبل وقوع الكارثة.

المسؤولية ليست عنواناً واحداً

من الناحية القانونية والإدارية، لا يمكن اختزال مسؤولية تدبير مثل هذه المرافق في جهة واحدة. فهناك تعدد في المتدخلين، ولكل مؤسسة اختصاصاتها ومسؤولياتها التي ينبغي تحديدها بدقة بناء على النصوص القانونية والتنظيمية والتقارير الرسمية التي ستصدر بشأن الحريق.

المجلس الجماعي، باعتباره الجهة المكلفة بتدبير المرافق الجماعية الداخلة ضمن اختصاصاته، مطالب بالتأكد من شروط الصيانة والتدبير والسلامة المرتبطة بالمرفق، واتخاذ التدابير اللازمة في حدود اختصاصاته.

أما السلطة المحلية، ممثلة في باشا المدينة والسلطات التابعة لها، فلها اختصاصات مرتبطة بالشرطة الإدارية والحفاظ على النظام العام ومراقبة عدد من مظاهر استغلال الفضاء العام، فضلاً عن التنسيق مع المصالح الأمنية والوقائية المختصة عندما يتعلق الأمر بمخاطر تهدد سلامة الأشخاص والممتلكات.

كما أن مصالح الوقاية المدنية تبقى طرفاً أساسياً في منظومة الوقاية والتدخل والإغاثة، فيما تتحمل الجهات المستغلة للمحلات والتجار بدورهم مسؤوليات مرتبطة باحترام شروط السلامة والاستعمال الآمن للفضاءات التجارية.

لهذا، فإن فتح تحقيق جدي ومستقل في ظروف الحريق، وأسباب اندلاعه، ومدى احترام شروط السلامة والوقاية، وطبيعة المراقبة التي كانت مفروضة على السوق، هو المدخل الطبيعي لتحديد المسؤوليات بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات.

أين كانت المراقبة؟

السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى المتضررين ليس فقط: كيف اندلع الحريق؟

بل أيضاً: هل كان بالإمكان تفاديه أو الحد من آثاره؟

إذا ثبت أن السوق كان يعيش منذ سنوات وضعاً من الفوضى، أو أن هناك اختلالات في شروط السلامة أو في المراقبة الليلية، فإن الأمر يستدعي مساءلة جميع الجهات التي كانت تملك، بحكم اختصاصها، إمكانية التدخل أو التنبيه أو فرض احترام القواعد المعمول بها.

أما إذا ثبت العكس، وكانت شروط السلامة والمراقبة قائمة ويتم احترامها، فعلى التحقيق أن يوضح للرأي العام أين وقع الخلل وكيف اندلعت النيران وانتشرت بهذه السرعة.

في الحالتين، الرأي العام يستحق أجوبة واضحة، والتجار المتضررون يستحقون الحقيقة قبل أي شيء آخر.

«مارشي القدس» ليس السوق الوحيد

المفارقة أن حريق «مارشي أوبيهي» لا ينبغي أن ينتهي بمجرد إخماد النيران وإحصاء الخسائر.

فالرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى المسؤولين هي أن أسواقاً أخرى بالمدينة تحتاج بدورها إلى افتحاص عاجل لشروط السلامة والتدبير.

فإذا كان «مارشي 20 غشت» و«مارشي ليزاميكال» يواجهان، بدورهما، مظاهر من العشوائية أو اختلالات في التنظيم والسلامة، فإن انتظار وقوع حريق جديد حتى تبدأ الأسئلة سيكون تقصيراً لا مبرر له.

الوقاية من الكارثة تبدأ قبل اندلاعها، لا بعد وصول سيارات الإطفاء.

السيد العامل.. لا تكتفوا بمعاينة الرماد

السيد العامل، إن تفقد مخلفات الحريق صباح اليوم والوقوف على حجم الخسائر خطوة مطلوبة، لكن الأهم هو ما سيأتي بعدها.

المطلوب ليس فقط معاينة ما خلفته النيران، وإنما الوقوف على أسبابها، ومسؤوليات مختلف المتدخلين، ووضعية الأسواق الأخرى، وشروط السلامة فيها، وطبيعة المراقبة التي تخضع لها، ومدى احترامها للمعايير القانونية والتنظيمية.

ولا ينبغي أن تقتصر الصورة التي تصل إلى المسؤول الإقليمي على ما يُعرض أثناء الزيارات الرسمية. فالمطلوب هو الاستماع المباشر إلى التجار والساكنة، والاطلاع على التقارير والمحاضر، ومعاينة الواقع كما هو، ليلاً ونهاراً.

لأن السؤال اليوم لم يعد فقط: من أشعل النار؟

السؤال الأعمق هو:

هل كانت هناك منظومة فعالة للوقاية من الحريق أصلاً؟ ومن كان يفترض أن يتدخل عندما بدأت مظاهر الفوضى تتراكم؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالخطابات ولا بالصور البروتوكولية، وإنما بالتحقيق، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كلٌّ في حدود اختصاصه.

أما تجار «مارشي القدس»، الذين وجدوا أنفسهم في ساعات قليلة أمام محلات مدمرة وسلع محترقة ومستقبل مهني مجهول، فلا يحتاجون إلى التعاطف فقط.

يحتاجون إلى الإنصاف، والدعم، والحقيقة.

وتزنيت، قبل كل شيء، تحتاج إلى أن تتحول هذه الفاجعة من مجرد خبر عابر إلى مناسبة لمراجعة شاملة لسياسة تدبير أسواقها وفضاءاتها التجارية، حتى لا يصبح السؤال نفسه غداً عنواناً لحريق آخر:

«شكون المسؤول؟!»

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.