Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

تافراوت أمام استنزاف الفرشة المائية ، من وادي تيزخت إلى جبال أملن.

متابعة فاعل مدني بتافراوت

في أعالي الأطلس الصغير، حيث لا يكفي المطر المتقطع لإعادة بناء مخزون مائي جوفي هش، تتغير علاقة الإنسان بالماء بسرعة. الآبار التقليدية والخطارات والسواقي، التي قامت عليها حياة القرى الزراعية لعقود وقرون، تواجه اليوم منافسة تقنية جديدة: الأثقاب العميقة بواسطة “الصوندات”. المشكلة ليست في تقنية الحفر في حد ذاتها، ولا في حاجة السكان إلى الماء؛ وإنما في الحفر غير المرخص أو غير المراقب، وفي غياب رؤية هيدرولوجية تضع كل بئر جديد داخل حساب الفرشة المائية التي يتقاسمها الجميع.

وتؤكد المعطيات الرسمية أن حوض أملن يعتمد على مجموعة من العيون المنحدرة من جبال لكست، إلى جانب المياه الجوفية المستخرجة من الآبار، وأن هذه الموارد تشكل أساس الحياة والنشاط الفلاحي في الحوض.

وادي تيزخت: عندما يصبح الماء قضية مجال

في وادي تيزخت بأملن، تكتسب القضية بعداً خاصاً. فهذا المجال ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل جزء من منظومة مائية تاريخية تشمل العيون والخطارات والسواقي والمدرجات الزراعية. وبالتالي فإن أي تدخل عميق في باطن الأرض ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية تأثيره المحتمل على النظام الهيدرولوجي بكامله، وليس باعتباره مشروعاً فردياً معزولاً.

وتزداد حساسية الوضع في ظل سنوات الجفاف المتتالية. وقد سبق أن سجلت أسئلة برلمانية رسمية تراجعاً في الموارد المائية بمنطقة تافراوت بسبب قلة التساقطات، وانخفاض صبيب الآبار المستغلة، مع طرح السدود التلية كإحدى وسائل تغذية الفرشة المائية.

وهنا تكمن المفارقة: كلما تراجع الماء، ازداد البحث عنه في العمق؛ وكلما ازداد الحفر، أصبح السؤال حول قدرة الفرشة على التجدد أكثر إلحاحاً.

الصوندات: تقنية حديثة أمام نظام مائي هش

الثقب العميق يسمح بالوصول إلى المياه الجوفية بسرعة أكبر من كثير من المنشآت التقليدية. لكن المخاطر تظهر عندما يتم الحفر خارج الضوابط القانونية أو دون معرفة كافية بالبنية الهيدرولوجية للموقع. وقد حذر باحثون وفاعلون محليون في مناطق أدرار وتافراوت من أن التوسع في الأثقاب العميقة يمكن أن يضغط على الفرشات المائية ويؤثر في الآبار التقليدية، خصوصاً في سنوات الجفاف.

لكن تحديد الضرر الفعلي الذي أحدثه أي ثقب في وادي تيزخت يحتاج إلى قياسات هيدرولوجية ومعطيات ميدانية؛ فلا ينبغي تحويل المخاوف البيئية إلى أحكام علمية قطعية من دون دراسة.

القانون موجود… فهل تصل المراقبة إلى العمق؟

الإطار القانوني المغربي واضح في مبدأه. فالقانون رقم 36.15 المتعلق بالماء ينظم استغلال الموارد المائية، بينما ينص الفصل المتعلق بالثقب على أن إنجاز أو تعميق أو إصلاح الأثقاب بهدف البحث عن الماء أو جلبه لا يتم إلا من طرف أشخاص حاصلين على رخصة الثاقب.

كما صدر المرسوم رقم 2.23.105 بتاريخ 21 مارس 2024 المتعلق برخصة الثاقب، محدداً شروط ممارسة مهنة الثقب، وملف طلب الرخصة، وشروط السلامة وحماية الموارد المائية، بما في ذلك احترام رخصة إنجاز الثقب المسلمة من وكالة الحوض المائي.

والأهم أن المرسوم لا يتعامل مع عملية الحفر باعتبارها مجرد نشاط مهني؛ بل يضع شروطاً مرتبطة مباشرة بحماية جودة المياه الجوفية، وسلامة الثقب، والتعامل مع الطبقات المائية التي قد يتم اختراقها أثناء الأشغال. وهذا يعني أن السؤال في تافراوت ليس: ل نحتاج إلى الماء؟ بل: هل يمكن أن نبحث عن الماء بأي وسيلة، وفي أي مكان، وبأي عمق، دون معرفة ما يحدث للفرشة التي يشترك فيها المجال بأكمله؟

وادي تيزخت: إنذار لا يحتمل الانتظار

إن الحديث عن الآبار غير المرخصة في أملن لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي للسكان أو أصحاب الأراضي. فالجفاف يدفع الناس إلى البحث عن حلول، والماء ضرورة للحياة والزراعة والاستقرار. لكن المسؤولية البيئية تقتضي التمييز بين:

حاجة مشروعة إلى الماء ; استغلال غير منظم للمياه الجوفية. ومن هنا تأتي مسؤولية السلطات المختصة ووكالة الحوض المائي في المراقبة، والتحقق من التراخيص، وقياس الآبار والأثقاب، ومتابعة مستوى الفرشة، وتطبيق القانون عند ثبوت المخالفة. ولا يكفي، في المقابل، الاقتصار على إيقاف الحفر بعد وقوع الضرر؛ فالمطلوب هو بناء نظام إنذار ومراقبة استباقي.

المطلوب: خريطة للفرشة قبل خريطة للآبار

في وادي تيزخت، يمكن أن تبدأ الحماية من عمل علمي بسيط في فكرته، عميق في نتائجه: جرد شامل للأثقاب والآبار

تحديد مواقع جميع الآبار والأثقاب بواسطة GPS.

معرفة العمق وقطر الثقب وتاريخ إنجازه.

التحقق من الوضعية القانونية لكل ثقب.

قياس صبيب الآبار دورياً.

مراقبة مستويات المياه الجوفية موسمياً.

رصد جودة المياه.

تحديد العلاقة بين الآبار والعيون والخطارات.

إنشاء قاعدة بيانات هيدرولوجية محلية.

وقف أي حفر جديد في المناطق الحساسة إلى حين توفر المعطيات العلمية اللازمة.

فالفرشة المائية لا ترى بالعين، لكن آثار استنزافها تظهر في جفاف بئر، أو انخفاض صبيب عين، أو تراجع إنتاج حقل، أو اختفاء جزء من منظومة مائية تقليدية.

من الخطارة إلى الصوندة: أي مستقبل للماء؟

المفارقة التاريخية في أملن أن الأجداد واجهوا ندرة المياه بمنظومات بطيئة ودقيقة: الخطارات، السواقي، المدرجات، الصهاريج، وتنظيم حصص السقي. أما اليوم، فقد أصبح الوصول إلى المياه الجوفية أسرع وأسهل تقنياً. لكن سرعة الوصول إلى الماء لا تعني بالضرورة سرعة تجدد الفرشة. وهنا ينبغي إعادة طرح السؤال القديم بلغة جديدة: كيف نحول الماء من مورد يُستخرج إلى مورد يُدار؟ فالخطارات التي شكلت محور تاريخ أمي نتيزغت ليست مجرد بقايا من الماضي؛ إنها أيضاً ذاكرة لنظام كان يقوم على معرفة المجال، وتقاسم الموارد، وربط كمية الماء بقدرة الأرض على الإنتاج.

رسالة المجتمع المدني بأملن

إن تحذير المجتمع المدني بأملن من الحفر العشوائي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رفضاً لحاجة السكان إلى الماء، وإنما باعتباره دعوة إلى حماية المورد الذي تعتمد عليه الأجيال الحالية والقادمة. المطلوب ليس فقط تشديد المراقبة، وإنما أيضاً: قانون يُطبق + مراقبة ميدانية + علم هيدرولوجي + شفافية في التراخيص + عدالة في توزيع الماء + حماية للمنظومات التقليدية.

لأن المعركة الحقيقية ليست بين “البئر التقليدي” و“الصوندة”. إنها بين تدبير مستدام للماء وبين استنزاف مورد محدود لا نراه إلا عندما يبدأ في الاختفاء. وفي وادي تيزخت، حيث تختزن الأرض ذاكرة الخطارات والسواقي والعيون، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم:

كم من الماء بقي تحت أقدامنا… وكم من الوقت بقي لنا قبل أن يصبح السؤال عن الماء سؤالاً عن بقاء المجال نفسه؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.