Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

تخليق الحياة العامة واستعادة الثقة في المؤسسات: أسئلة المرحلة المقبلة

تطرح المرحلة السياسية المقبلة في المغرب أسئلة عميقة حول علاقة المواطن بالمؤسسات، وحول قدرة الحياة السياسية على مواجهة الفساد والريع وتضارب المصالح، وترسيخ مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فخلال السنوات الماضية، برزت انتقادات سياسية وحقوقية واسعة بشأن طريقة تدبير عدد من الملفات المرتبطة بالمال العام، وتضارب المصالح، واستعمال النفوذ، ومدى فعالية آليات الوقاية من الفساد ومحاربته. ويذهب منتقدو التدبير الحكومي السابق إلى أن تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية، وضعف بعض آليات الرقابة، ساهما في تعميق أزمة الثقة في المؤسسات.

غير أن النقاش حول هذه القضايا يقتضي التمييز بين الاتهام السياسي وبين المسؤولية التي يثبتها القضاء أو توثقها تقارير الهيئات المختصة. فمحاربة الفساد لا يمكن أن تقوم على الخطاب وحده، وإنما تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وفعالة، وقواعد واضحة لتضارب المصالح، وشفافية في تدبير المال العام، وآليات ناجعة لحماية المبلغين والصحفيين والفاعلين المدنيين.

ومن بين الملفات التي أثارت نقاشاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة تعديل قانون المسطرة الجنائية. فقد أعلنت الحكومة أن مشروع القانون رقم 03.23 يندرج ضمن مراجعة واسعة لقواعد المسطرة الجنائية، وأنه يهدف إلى ملاءمة التشريع مع المقتضيات الدستورية ومعايير المحاكمة العادلة. وتشمل المراجعة عدداً كبيراً من مواد القانون، وهو ما يجعل النقاش حول اختصاصات النيابة العامة وضمانات استقلال السلطة القضائية موضوعاً مؤسسياً لا ينبغي اختزاله في التجاذب السياسي.

وفي المقابل، يرى منتقدون لبعض المقتضيات التشريعية أن أي تعديل قد يمس بتوازن السلط أو يحد من قدرة المؤسسات القضائية والرقابية على القيام بأدوارها ينبغي أن يخضع لنقاش عمومي واسع، وأن تكون ضمانات استقلال القضاء وسيادة القانون في صلب هذا النقاش.

ولا يتعلق الأمر بالنيابة العامة وحدها. فالمجتمع المدني، والصحافة، والهيئات الرقابية، والمنتخبون، ومؤسسات الحكامة، تشكل جميعها حلقات أساسية في منظومة الوقاية من الفساد ومراقبة تدبير الشأن العام. وكلما ضعفت هذه الحلقات، اتسعت المسافة بين المواطن والمؤسسات، وتراجعت الثقة في جدوى المشاركة السياسية.

كما أن ملفات من قبيل الإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، والتصريح بالممتلكات، وحماية المال العام، والاحتلال غير المشروع للملك العمومي، وتنفيذ الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد، تظل جزءاً من النقاش العمومي حول تخليق الحياة العامة. والمطلوب في هذه الملفات ليس فقط إنتاج النصوص، وإنما ضمان التطبيق الفعلي والشفاف للقواعد القانونية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتكتسب هذه القضايا أهمية أكبر في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه البلاد. فالتنمية والاستثمار يحتاجان إلى مناخ مؤسساتي واضح، وإلى قواعد متساوية أمام الجميع، وإلى إدارة عمومية تعمل وفق القانون، وإلى مؤسسات قادرة على حماية المصلحة العامة من تضارب المصالح واستغلال النفوذ.

كما أن القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية والعلاقات الخارجية تحتاج بدورها إلى نقاش مؤسساتي مسؤول، بعيداً عن المزايدات، يضع المصلحة الوطنية في مقدمة الأولويات ويعزز قدرة المغرب على الدفاع عن مصالحه داخل مختلف المحافل الدولية.

إن استعادة الثقة في المؤسسات ليست مسؤولية الحكومة وحدها، ولا المعارضة وحدها، ولا المجتمع المدني وحده. إنها مسؤولية جماعية تتطلب إصلاحاً مؤسساتياً مستمراً، وقضاءً مستقلاً، وإدارة أكثر شفافية، وبرلماناً يمارس أدواره الرقابية والتشريعية بفعالية، ومجتمعاً مدنياً قادراً على المراقبة والمساءلة.

وفي النهاية، فإن قيمة أي مرحلة سياسية لا تقاس فقط بعدد القوانين التي يتم إصدارها، وإنما بمدى تأثيرها الفعلي في حياة المواطنين، وبقدرة المؤسسات على حماية المال العام، وضمان تكافؤ الفرص، ومحاربة تضارب المصالح، وترسيخ دولة القانون.

ومن هنا تظل المشاركة المدنية والسياسية، والنقاش العمومي المسؤول، ومساءلة المنتخبين والمؤسسات، من الآليات الأساسية التي تسمح للمواطنين بالتعبير عن اختياراتهم ومراقبة أداء من يتولى تدبير الشأن العام.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.