Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

مغربُ السرعات: حين يكشف القطار تفاوتَ التنمية بين الجهات

بقلم الحسين اليماني الفاعل السياسي والنقابي

في ظل ارتفاع أسعار المازوط وغياب بديل عملي أمام المواطن، قادتني الظروف خلال هذه الأيام إلى السفر بالقطار من الدار البيضاء، إحدى حواضر المغرب النافع، في اتجاه وجدة، عاصمة الشرق والهامش المتاخم للحدود.
كان السفر ليلاً، فلم تتح لي فرصة الاستمتاع بجمال المناظر الطبيعية وتنوعها، من المركز إلى الشرق. لكن ما أثار انتباهي، وأنا أتابع رحلة القطار، هو التفاوت الواضح في سرعته بين مقاطع المسار المختلفة.
وبحساب تقريبي للمسافة المقطوعة والزمن المستغرق، يبدو أن متوسط سرعة القطار بين وجدة وفاس لا يتجاوز في حدود 60 كيلومتراً في الساعة، بينما ترتفع إلى أكثر من 90 كيلومتراً في الساعة بين فاس والدار البيضاء.
وهنا تطرح نفسها أسئلة مشروعة: هل يعود هذا التفاوت إلى طبيعة القطارات والمحركات المستعملة، بين الكهرباء والغازوال؟ أم إلى صعوبة التضاريس والمنشآت السككية؟ أم أن الأمر يعكس، بشكل أو بآخر، تفاوتاً في مستوى الاستثمار والبنيات التحتية بين الجهات؟ وهل ما زال الشرق المغربي يدفع ثمن عقود من التهميش في سلم السياسات العمومية منذ الاستقلال؟
للحظة، بدا لي أن العبارة التي تتردد في خطب السياسيين عن أن «المغرب يسير بسرعتين» ليست مجرد استعارة سياسية أو توصيف لتفاوت التنمية المجالية والاجتماعية، بل يمكن أن تصبح واقعاً ملموساً يعيشه المواطن حتى داخل عربة القطار، وهو ينتقل من جهة الرباط والقنيطرة، مروراً بفاس ومكناس، وصولاً إلى جهة الشرق.
فالقطار لا ينقل المسافرين فقط؛ أحياناً يكشف أيضاً خريطة التنمية كما هي على الأرض.
إن مغرباً يتقدم فعلاً لا يمكن أن يكون مغرباً تتقدم فيه جهة على حساب أخرى، أو تُختزل فيه فرص الاستثمار والتنمية والبنيات التحتية في محاور بعينها، بينما تظل جهات أخرى تنتظر نصيبها من العدالة المجالية.
لقد أثبتت التجربة أن التنمية لا يمكن أن تكون مستدامة من دون تنمية حقيقية لكل الجهات، وأن التنمية الجهوية والمحلية تحتاج إلى نخب سياسية جديدة، تمتلك رؤية واضحة، وتتحمل مسؤولية التدبير، وتكون أكثر التصاقاً بالواقع اليومي للمواطنين وبآمالهم وانتظاراتهم.
نحن في حاجة إلى جيل جديد من السياسيين، لم يشارك في صناعة الاختلالات التي نعيشها اليوم، وقادر على تقديم بدائل حقيقية بدل إعادة إنتاج نفس الممارسات والوجوه والخطابات.
كما نحتاج إلى قوانين ومؤسسات تعزز صلاحيات المنتخبين وتربطها بوضوح بالمسؤولية والمحاسبة، في إطار دولة المؤسسات ودستور يجعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة فعلية وليست مجرد شعار.
ونحن على مشارف الانتخابات التشريعية، التي سيختار من خلالها المغاربة ممثليهم في البرلمان، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط على تغيير الأسماء، وإنما على تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها، بما يسمح بإفراز نخبة جديدة من المنتخبين والمناضلين، القادرين على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم، بعيداً عن منطق المصالح الضيقة وتجارة الانتخابات.
نريد ممثلين يستمدون شرعيتهم من السيادة الشعبية، ويجعلون خدمة الصالح العام هدفاً لهم، لا وسيلة للوصول إلى الامتيازات والنفوذ.
نريد مغرباً تتقارب فيه السرعات، لا مغرباً تسير فيه بعض الجهات بسرعة القطار السريع، بينما تظل جهات أخرى عالقة في رصيف الانتظار.
فلا يمكن أن يتقدم المغرب إلا بتقدم جميع جهاته، ولا يمكن أن تتحقق العدالة والتنمية إلا عندما يشعر المواطن، من طنجة إلى وجدة ومن الدار البيضاء إلى الأقاليم الجنوبية، بأن له نفس الحق في التنمية والفرص والكرامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.