Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

تحالف اليسار ومعركة الحطابين: سنمارس العمل السياسي حتى في الانتخابات

بقلم منعم وحتي عضو المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار.
من الأفلام التي بقيت ملتصقة بذهني، ورسمت بعضًا من بوصلة اختياراتي، العمل السينمائي «عشيرة المتمردين» (Le Clan des irréductibles)، وعنوانه الأصلي Sometimes a Great Notion، الذي أخرجه بول نيومان سنة 1971.
تدور حبكة الفيلم حول صراع ضارٍ لعمال قطع الأشجار في غابات أوريغون، حيث تقود نقابة الحطابين معركة بطولية لانتزاع حقوقهم في مواجهة استغلال العمال والغابة. غير أن المشاهد ستشتد إثارة حين ترفض عائلة ستامبر (Stamper) الدخول في الإضراب، متشبثة باستقلالية قرارها في استغلال الغابة، باعتبارها عائلة من الحطابين غير معنية بالإضراب.
تجري مياه كثيرة في أحداث الفيلم، ومآسٍ أسرية مؤلمة، إلى أن تنجح العائلة «المستقلة» في كسر فورة الإضراب، ويتحول الصراع إلى مواجهة داخلية بين الحطابين أنفسهم.
لكن المشهد الأخير في هذه التحفة الإبداعية يبقى الأكثر دلالة وإثارة: يقود هانك ستامبر قاربه المحمل بالحطب، إمعانًا في كسر الإضراب واستفزازًا لعمال الغابة وأعضاء النقابة المحتشدين على الضفة. عندها يرتفع صوت جهوري من وسط حشود العمال:
«سأمارس العمل النقابي حتى في الجحيم!»
في دلالة بليغة على أن المعركة، مهما اشتدت تعقيداتها، لا تنتهي بمجرد جولة خاسرة.
ولعل بيت القصيد من هذا الاستحضار السينمائي هو أنه يشبه، إلى حد بعيد، النقاش الدائر داخل البيت اليساري وبعض محيطه، حول أهمية الدخول إلى المعركة الانتخابية: تردد هنا، ونكوص هناك، وتوجس لدى البعض، وفوبيا لدى آخرين من فقدان «بكارة الطهرانية» السياسية.
الأكيد أن الحق في التعبير مقدس، والأكثر تأكيدًا أن احترام حرية الموقف والقرار حق للجميع. لكن لا بأس أن يأخذ السجال مداه، في نقاش صحي ومسؤول، وأسطر على كلمة: محترم.
لقد خاض جزء كبير من تحالف اليسار معركة كسر العظام في مواجهة الآلة المخزنية التي لم تكن تكتفي بتزوير ما في الصناديق الانتخابية، بل كانت، في مراحل معينة، تسرق الصناديق بما حملت، ثم تدبج النتائج التي ترتضيها مخططاتها.
وكنت شاهدًا وفاعلًا وضحية حقيقية في معركة ضارية من أجل نزاهة الانتخابات، بمعية رفاقي، على امتداد ربوع الوطن وفي محطات مختلفة من تاريخه.
وقد يقول قائل: فماذا تغير؟ ما دام التحكم السلطوي في الانتخابات لا يزال قائمًا، وما دامت السلطوية تتمدد؟
الذي تغير هو تكتيكاتنا السياسية.
فـتحالف اليسار سيقود معركة برنامجه اليساري البديل وسط الحملة الانتخابية. سيقدم أنزه المرشحات والمرشحين، وسيصارع داخل مكاتب التصويت دفاعًا عن نزاهة العملية الانتخابية وإرادة الناخبين. سيعري الفساد أمام الملأ، ويفضح سياسات التفقير، ويواجه تحكم عائلات الريع في مصير المغاربة.
والأهم من ذلك، أنه سيطرح برنامجًا متكاملًا ليحكم، وليس فقط ليشارك.
سيقدم تصورات واضحة وقابلة للنقاش حول الاقتصاد والصحة والتعليم والتشغيل والنقل، وغيرها من قضايا المجتمع والدولة، وكأنه يضع نفسه، منذ الآن، أمام مسؤولية قيادة حكومة يسارية غدًا.
هذه هي معركة تحالف اليسار القادمة.
ليست المعركة سهلة، بالتأكيد. لكن كل مشروع طموح يبدأ بخطوة، وكل تغيير حقيقي يحتاج إلى من يغامر بخوض المعركة بدل الاكتفاء بوصف صعوبتها من بعيد.
لا أحبذ أن ندخل معركة خاسرة، بينما تُنهب خيرات الغابة على يد عصابة تحاول حبك سيناريو فيلم طويل عنوانه: «العام زين»، وكل شيء بخير.
سنخوض المعركة، لا وهمًا بانتخابات مثالية، ولا إنكارًا لاختلالات الواقع، وإنما إيمانًا بأن السياسة لا تُترك لمن يحتكرونها، وأن الانتخابات يمكن أن تكون أيضًا ساحة للنضال وكشف البدائل ومواجهة الفساد والدفاع عن إرادة المواطنين.
وكما قال صوت العامل في نهاية الفيلم:
سنمارس العمل النقابي حتى في الجحيم.
أما نحن، فسنمارس العمل السياسي النظيف حتى في الانتخابات.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.