Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

في رحيل الصديق والأستاذ عبد الرحمن لخصاصي: ذاكرة صديق ومسار مثقف وباحث

بقلم الأستاذ عبد اللطيف أعمو

ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقيت نبأ رحيل الصديق العزيز والأخ الأستاذ الدكتور عبد الرحمن لخصاصي، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، بعد معاناة مع المرض. وهو شقيق الأستاذ محمد لخصاصي، الرئيس السابق للمحكمة الإدارية بأكادير.

وما أقسى أن يصلنا خبر رحيل من ارتبطت به ذاكرتنا بمرحلة من أجمل مراحل العمر، وأن يغيب فجأة من كان جزءًا من أيام الشباب، ورفيقًا في دروب الدراسة والحياة، وصديقًا تجاوزت معه حدود الزمالة إلى معنى الأخوة والصحبة الصادقة.

جمعتني بالراحل العزيز سنوات الدراسة والشباب. كنا متقاربين في السن، متشابهين في شغفنا بالمعرفة، وفي تطلعنا إلى آفاق أرحب للفكر والحياة. وقد شاءت ظروف تلك المرحلة أن أقيم لديه في باريس قرابة سنة، حين كنت أتابع دراستي في قانون الأعمال. ولم تكن تلك الفترة مجرد إقامة عابرة، بل كانت زمنًا من العِشرة الإنسانية الصادقة، ومن النقاشات والذكريات التي ظلت راسخة في الذاكرة رغم تعاقب السنين.

ثم فرقتنا مسارات الدراسة والحياة؛ فانتقل عبد الرحمن إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، قبل أن يعود إلى باريس لمتابعة دراسته في جامعة السوربون. ورغم المسافات وتباعد المحطات، بقيت الصلة الإنسانية والفكرية قائمة، وظلت بيننا تلك الألفة التي لا تصنعها الظروف وحدها، وإنما تصنعها سنوات العمر المشتركة وصدق الصحبة.

كان عبد الرحمن، منذ سنواته المبكرة، صاحب عقل متسائل وشغف أصيل بالمعرفة. وقد حمل هذا الشغف معه في مساره الأكاديمي، فاهتم بالفكر والحضارة الإسلامية، وبالأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، ولا سيما الثقافة والأدب الأمازيغيين، وترك إسهامات علمية مهمة عكست سعة أفقه وانفتاحه على قضايا الإنسان والمجتمع والهوية.

ولم يكن اهتمامه بالأمازيغية والثقافة الأمازيغية اهتمامًا عابرًا، بل كان جزءًا من مشروع فكري وعلمي أوسع، سعى من خلاله إلى فهم الإنسان في سياقه الثقافي والاجتماعي، وإلى قراءة قضايا الهوية والذاكرة والتراث من منظور علمي نقدي. وقد امتد إنتاجه إلى مجالات متعددة، من الفكر الإسلامي إلى الأنثروبولوجيا، ومن دراسة التصوف والممارسات الدينية إلى الأدب والشعر والثقافة الأمازيغيين.

ومن بين أعماله وأبحاثه ما تناول الهوية الأمازيغية والإنتاج الثقافي، ومسألة الهوية، والأدب الديني الأمازيغي، والأنثروبولوجيا في موطن الباحث، ودراسة مراكز الحج في المغرب، والقصيدة الأمازيغية المرتبطة بنكبة زلزال أكادير، إلى جانب أبحاث أخرى نشرت في مؤلفات ومجلات أكاديمية بالمغرب وفرنسا واليابان وغيرها.

كما اشتهر بمؤلفه «من الشاي إلى الأتاي»، الذي أنجزه رفقة الباحث عبد الأحد السبتي، والذي أثار اهتمام المشتغلين بالأدب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في المغرب وخارجه، منذ صدور طبعته الأولى عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1999.

وهكذا فقد المغرب برحيله أستاذًا وباحثًا ومثقفًا، وفقد الوسط الجامعي شخصية علمية كان لها حضورها وإسهامها، وفقد أصدقاؤه ومحبوّه إنسانًا ترك في نفوسهم أثرًا لا تمحوه السنوات.

أما بالنسبة إليّ، فإن عبد الرحمن سيظل، قبل كل هذه الصفات والألقاب، الصديق الذي عرفته في ريعان الشباب، ورفيق الأيام الجميلة، والأخ الذي تقاسمت معه بيتًا ومرحلة من العمر وذكريات لا تزال حية في الوجدان.

تمر السنوات، وتتغير المدن، وتتباعد الطرق، ويكبر الإنسان وتتشعب مسؤولياته، لكن بعض الصداقات تظل عصية على النسيان؛ لأنها ارتبطت بمرحلة تأسيسية من حياتنا، يوم كانت الأحلام كبيرة، والطموحات مفتوحة، والبحث عن المعرفة جزءًا من معنى وجودنا. وكان عبد الرحمن واحدًا من أولئك الذين تركوا في تلك المرحلة أثرًا لا يُمحى.

رحم الله عبد الرحمن لخصاصي رحمة واسعة، وجزاه عن علمه وعطائه خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وذويه وأصدقاءه وتلامذته ومحبيه جميل الصبر والسلوان.

وسيظل عبد الرحمن، الذي غيّبه المرض اللعين، حاضرًا في الذاكرة، لا بما تركه من كتب وأبحاث فحسب، وإنما بما تركه في قلوب من عرفوه من مودة ورفقة وأثر إنساني جميل.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.