Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

قصبة أنبدور… حين ينهار الحجر ويُهمل التاريخ معلمة عمرانية تتآكل أمام أعين الجميع، وواجهة تراثية مهددة بالاختفاء

بقلم مولاي مصطفى النقراوي

ليست قصبة أنبدور مجرد مبانٍ قديمة متجاورة على سفح الجبل، ولا مجرد اسم يرد في ذاكرة أمي نتيزخت وأهلها. إنها جزء من ذاكرة المكان، وشاهد على تاريخ اجتماعي وعمراني تشكل عبر أجيال، وعلى علاقة الإنسان بالمجال والجبال والماء والأرض. لكن هذه الذاكرة اليوم تواجه خطراً لا يأتي بالضرورة من زلزال أو كارثة مفاجئة، بل من التآكل البطيء والصامت: جدران تتداعى، واجهات تفقد ملامحها، عناصر معمارية تختفي، وفراغات عمرانية تتعرض للتغيير، فيما تتراجع تدريجياً الصورة التي جعلت من القصبة جزءاً من المشهد التاريخي لأمي نتيزغت.

حين يتحول الإهمال إلى تهديد للوجود

المشكلة في قصبة أنبدور المعمرة لازيد من خمسة قرون ليست فقط في بعض الجدران المتشققة أو أجزاء البناء التي تحتاج إلى الترميم. الخطر الأكبر هو أن تتحول عملية التدهور التدريجي إلى فقدان للهوية المعمارية نفسها. فالقصبة، مثل كثير من المعمار التقليدي في الجنوب المغربي، لا يستمد قيمته من حجر منفرد أو باب قديم، وإنما من وحدة متكاملة: الكتلة العمرانية، الواجهات، المواد المحلية، الألوان، الفتحات، الممرات، علاقتها بالتضاريس، وموقعها داخل المشهد الطبيعي. وعندما تفقد هذه العناصر انسجامها، لا نخسر بناية فقط؛ بل نخسر جزءاً من شخصية المكان.

واجهة القصبة ليست مجرد واجهة

ما يثير القلق أكثر هو ما آلت إليه واجهة القصبة. فالواجهة التراثية هي أول ما تراه العين، وهي التي تمنح المبنى شخصيته وتربطه بالبيئة المحيطة. وكل تغيير عشوائي في شكلها أو موادها أو ألوانها، وكل إضافة غير منسجمة، وكل انهيار لا تتم معالجته، يساهم في تفكيك الصورة التاريخية للقصبة. وبمرور الوقت، قد يصبح من الصعب التمييز بين المبنى التاريخي وما أضيف إليه لاحقاً. وهنا تطرح المسألة سؤالاً يتجاوز أصحاب المنازل: من يحمي الواجهة التاريخية لقصبة أنبدور عندما تصبح مهددة بالتشويه أو الاندثار؟

قصبة أنبدور جزء من ذاكرة أوسع

لا يمكن فصل قصبة أنبدور عن المجال التاريخي لأمي نتيزخت. فالقصبة ترتبط بذاكرة اجتماعية وعائلية عميقة للشرفاء الجباريين ، وبمجموعات سكانية استقرت بالمجال وشكلت عبر الزمن منظومة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما أن محيطها يرتبط بمنظومة مائية وزراعية تقليدية، من العيون والسواقي والخطارات إلى المدرجات والحقول والبساتين. وهكذا فإن المعمار والماء والأرض والذاكرة تشكل حلقات في منظومة واحدة. ومن الخطأ النظر إلى القصبة باعتبارها أثراً منفصلاً عن هذا السياق.

المفارقة: نبحث عن التراث بعيداً ونترك تراثنا ينهار

في الوقت الذي يتزايد فيه عالمياً الاهتمام بالتراث المعماري المحلي، وبالقرى التاريخية، وبالسياحة الثقافية، وبالهندسة التقليدية والذاكرة العمرانية، تبدو قصبة أنبدور أمام اختبار حقيقي. هل نكتفي بالحديث عن أصالة الجنوب المغربي وجماله؟ أم نبدأ بحماية التفاصيل التي تمنح هذا الجنوب أصالته فعلاً؟ فالتراث لا يعيش في الكتب والصور وحدها. التراث يعيش عندما تبقى جدرانه قائمة، وواجهاته محفوظة، وذاكرته مفهومة، ووظيفته الاجتماعية والثقافية مستمرة.

الخراب ليس قدراً

من الخطأ أيضاً التعامل مع تدهور قصبة انبدور باعتباره نتيجة حتمية لمرور الزمن. صحيح أن المباني التقليدية تحتاج إلى صيانة مستمرة، وأن بعض أجزائها قد تكون مهددة بفعل عوامل طبيعية، لكن الإهمال الطويل يحول الضرر القابل للإصلاح إلى خسارة غير قابلة للاستدراك. الجدار الذي يمكن ترميمه اليوم قد يصبح غداً ركناً مهدماً. والواجهة التي يمكن إنقاذها اليوم قد لا يبقى منها بعد سنوات سوى صورة قديمة. والعنصر المعماري الذي يختفي مرة قد لا يمكن استعادته بنفس المواد والتقنيات والذاكرة.

المطلوب ليس تجميلاً موسمياً

إنقاذ قصبة أنبدور لا ينبغي أن يتحول إلى عملية طلاء للواجهات أو تدخل تجميلي محدود. المطلوب هو مشروع حقيقي لحماية المعلمة يبدأ بالتوثيق وينتهي بإعادة الاعتبار. ويفترض أن يشمل، على الأقل: جرداً عمرانياً ومعمارياً شاملاً للقصبة؛ توثيقاً فوتوغرافياً ورقمياً لحالتها الحالية؛ إعداد مخطط للواجهات والعناصر المعمارية؛ تحديد المباني والعناصر الأكثر عرضة للانهيار؛ جمع شهادات السكان وكبار السن حول تاريخ القصبة ووظائف فضاءاتها؛ دراسة مواد البناء التقليدية وتقنيات الترميم الملائمة؛ وضع تصور لترميم تدريجي يحافظ على الأصالة؛ إشراك السكان وأصحاب الملكيات في أي مشروع؛ البحث عن شراكات مع الجماعة والسلطات والمصالح المختصة والجامعات والهيئات المعنية بالتراث. والأهم: عدم القيام بأي تدخل قد يطمس ملامح القصبة بدلاً من إنقاذها.

من يملك القصبة؟ ومن يحميها؟

هنا تظهر مسألة أكثر عمقاً. فالملكية الخاصة لا تعني بالضرورة أن القيمة التراثية للمبنى لا تعني المجتمع، كما أن حماية التراث لا ينبغي أن تتحول إلى مصادرة لحقوق السكان أو تجاهل لاحتياجاتهم. المعادلة المطلوبة هي: حماية التراث و احترام الملكية و تحسين ظروف السكان. فالقصبة لن تُحمى ضد سكانها، وإنما بمشاركة سكانها. وهذا هو المدخل الأكثر واقعية لأي مشروع مستقبلي.

أنبدور أمام خيارين لا ثالت لهما

اليوم، تبدو قصبة أنبدور أمام مفترق طرق واضح: إما أن يستمر التدهور، جداراً بعد جدار وواجهة بعد واجهة، إلى أن تتحول القصبة إلى مجرد أطلال وصور في ذاكرة أبناء المنطقة وإما أن تتحول حالة التدهور الحالية إلى لحظة وعي جماعي، يتم فيها إطلاق مسار لتوثيق المعلمة وإنقاذها وإعادة الاعتبار إليها. والوقت هنا ليس تفصيلاً. لأن التراث الذي ينتظر حتى ينهار بالكامل يصبح أكثر كلفة وأصعب إنقاذاً.

قصبة أنبدور تستحق أكثر من الرثاء

لا تحتاج القصبة اليوم إلى خطب جديدة في تمجيد الماضي، بقدر ما تحتاج إلى قرار جماعي واضح لحماية ما تبقى منه. تحتاج إلى أن تُقرأ باعتبارها وثيقة عمرانية، وذاكرة اجتماعية، وجزءاً من المشهد الثقافي لأمي نتيزخت، لا باعتبارها مجرد بنايات قديمة تنتظر مصيرها. فإذا كان الماء في وادي تيزخت جزءاً من ذاكرة أمي نتيزغت، فإن الحجر في قصبة أنبدور هو أيضاً ذاكرة. وكما ندافع عن العيون والساقية والخطارة لأنها تحمل تاريخ مجتمع، علينا أن ندافع عن القصبة لأنها تحمل تاريخ العمران والناس والعلاقات والحياة اليومية.

السؤال اليوم ليس: هل قصبة أنبدور جميلة؟ الجميع يعرف أنها كذلك. السؤال الحقيقي هو: هل سنترك جمالها ينهار أمام أعيننا… ثم نكتفي غداً بنشر صور لما كان ذات يوم قصبة أنبدور؟

إنقاذ القصبة اليوم ليس حنيناً إلى الماضي، بل دفاع عن حق الأجيال القادمة في أن ترث مكاناً له ذاكرة، وهوية، وملامح، وقصة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.