
الهند تتجاوز متوسط النمو العالمي وتتعزز كوجهة للتصنيع
يشهد قطاع التصنيع في الهند تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوز معدل نموه متوسط النمو العالمي، في مؤشر على ارتفاع تنافسية الصناعة الهندية وتزايد جاذبية البلاد أمام الشركات الدولية الباحثة عن بدائل لتنويع سلاسل التوريد.
وأظهرت دراسة حديثة لرابطة غرف التجارة والصناعة الهندية (ASSOCHAM) أن متوسط نمو التصنيع في الهند ارتفع من 3.44 في المائة سنوياً خلال الفترة ما بين 2016 و2019 إلى 4.15 في المائة بين 2022 و2025.
في المقابل، انخفض متوسط نمو التصنيع العالمي من 4.39 في المائة قبل جائحة كورونا إلى 2.19 في المائة خلال فترة ما بعد الجائحة، ما جعل وتيرة نمو الصناعة الهندية تتجاوز المتوسط العالمي بنحو نقطتين مئويتين.
وبحسب الدراسة، فإن هذا الأداء لا يمثل مجرد ارتداد بعد تداعيات الجائحة، بل يعكس تحسناً هيكلياً في تنافسية القطاع الصناعي الهندي، مدعوماً بإصلاحات حكومية واستثمارات متزايدة في البنية التحتية.
وتزامن ذلك مع إعادة الشركات متعددة الجنسيات ترتيب سلاسل توريدها العالمية، بعدما أبرزت الجائحة مخاطر الاعتماد المفرط على موقع إنتاج واحد، خاصة مع اضطرابات النقل ونقص المكونات وإغلاق المصانع.
وفي هذا السياق، برز نموذج «الصين +1» كإحدى الاستراتيجيات التي اعتمدتها الشركات لتوزيع عمليات التصنيع على أكثر من دولة، وهو ما وضع الهند ضمن أبرز المستفيدين من التحولات الجارية في خريطة الإنتاج العالمية.
وتستند جاذبية الهند إلى عوامل عدة، أبرزها اتساع سوقها الداخلية، وتوفر اليد العاملة، وتنافسية تكاليف الإنتاج، إلى جانب تحسن البنية التحتية والإصلاحات التي نفذتها الحكومة لدعم الاستثمار والتصنيع المحلي.
كما أسهمت برامج مثل «صنع في الهند»، ونظام الحوافز المرتبطة بالإنتاج (PLI)، والسياسة الوطنية للوجستيات، ومبادرة PM Gati Shakti، في تشجيع الاستثمارات الصناعية وتوسيع القدرات الإنتاجية في قطاعات استراتيجية تشمل الإلكترونيات والأدوية والسيارات ومعدات الاتصالات والأجهزة الطبية والطاقة الشمسية والبطاريات المتقدمة.
وترافق هذا المسار مع استثمارات واسعة في الممرات الصناعية والمنشآت اللوجستية والموانئ والطرق السريعة، بهدف خفض تكاليف النقل وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد وتعزيز قدرة المنتجات الهندية على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وتمنح السوق المحلية الكبيرة الهندَ ميزة إضافية، في ظل نمو الدخول واتساع الطبقة الوسطى وتسارع وتيرة التحضر، فضلاً عن ارتفاع الطلب على المنتجات والخدمات الرقمية واستمرار الإنفاق الحكومي على البنية التحتية.
في المقابل، سجلت الصين تراجعاً حاداً في متوسط نمو قطاع التصنيع، من 6.79 في المائة خلال الفترة السابقة للجائحة إلى سالب 0.07 في المائة بين 2022 و2025، وفق الدراسة، في تحول يعكس جانباً من التغيرات التي تشهدها خريطة التصنيع العالمية.
وأظهرت المقارنة التي أجرتها ASSOCHAM أن الهند انضمت بعد الجائحة إلى مجموعة من الاقتصادات الصناعية التي سجلت نمواً أعلى من المتوسط العالمي، إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة.
غير أن الحفاظ على هذا المسار، وفق الدراسة، سيتطلب انتقال الصناعة الهندية تدريجياً من نموذج يقوم أساساً على انخفاض التكلفة إلى نموذج أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والابتكار، مع توسيع استخدام تقنيات الصناعة 4.0، بما فيها الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة وإنترنت الأشياء الصناعي والتوائم الرقمية وتحليل البيانات.
كما يمكن لاتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمتها الهند مع شركاء من بينهم الإمارات وأستراليا ودول الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة، فضلاً عن مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، أن تدعم وصول المنتجات الهندية إلى أسواق جديدة وتعزز الصادرات الصناعية.
وتخلص الدراسة إلى أن مواصلة الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير سلاسل التوريد المحلية، ودعم البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكفاءات، وتوسيع تطبيقات الصناعة 4.0، ستحدد قدرة الهند على ترسيخ موقعها كواحد من أبرز مراكز التصنيع العالمية.