Atigmedia
المصداقية والدقة في الخبر

44 مليار درهم… حين تتعثر المحاسبة ويترنح الأمل في إصلاح التعليم

بقلم محمد الغلوسي

لا تزال تداعيات ما عُرف بالمخطط الاستعجالي لإصلاح منظومة التربية والتكوين، الذي رُصدت له اعتمادات ضخمة قُدرت بـ44 مليار درهم، تلقي بظلالها الثقيلة على النقاش العمومي. فبدل أن يتحول هذا الورش إلى قصة نجاح تُحتذى، أضحى نموذجاً يُستحضر كلما طُرح سؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة، وكلما تجدد الجدل حول مدى تكافؤ الجميع أمام القانون.

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا طالت المتابعات بعض المسؤولين الجهويين والإقليميين ورؤساء مصالح وأقسام، في حين لم تمتد المساءلة إلى مستويات أعلى من هرم القرار السياسي والإداري؟ هل يتعلق الأمر بانتقائية في تفعيل القانون؟ أم أن المسؤولية تتجزأ عند أول حلقة تنفيذية، بينما تظل دوائر القرار الاستراتيجي بعيدة عن دائرة الضوء والمساءلة؟

إن جوهر دولة الحق والقانون لا يقاس فقط بوجود النصوص، بل بمدى إنفاذها على الجميع دون استثناء. فحين يسود الانطباع بأن العدالة تتحرك بسرعتين مختلفتين، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويترسخ الشعور بعدم الإنصاف. وحين يغيب التطبيق الصارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يتحول الفساد من حالات معزولة إلى منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال وأساليب جديدة.

ولم يكد الجدل يخفت حول تدبير اعتمادات المخطط الاستعجالي، حتى تفجرت تساؤلات أخرى مرتبطة بصفقات “مدارس الريادة”، التي كان يُفترض أن تجسد نموذجاً للحكامة الجيدة والنجاعة في الإنفاق العمومي. غير أن الشبهات التي أثيرت حول بعض هذه الصفقات أعادت إلى الواجهة إشكالية الشفافية، وأكدت أن القطاع الذي يُفترض أن يكون رافعة التنمية ومختبر بناء المستقبل، ما زال عرضة لاختلالات بنيوية تعيق إصلاحه الحقيقي.

إن خطورة الفساد لا تكمن فقط في الأرقام المهدورة، بل في أثره العميق على الثقة الجماعية. فهو يضرب في الصميم فكرة تكافؤ الفرص، ويغذي الإحساس بالغبن، ويضعف منسوب الأمل لدى فئات واسعة من المجتمع. كما أنه يفرغ السياسات العمومية من مضمونها، ويحوّل البرامج الطموحة إلى شعارات جوفاء لا تجد طريقها إلى التنزيل السليم.

وفي ظل السياقات الاقتصادية والاجتماعية الدقيقة التي تمر بها البلاد، وتنامي التحديات على المستويات الإقليمية والدولية، يصبح تحصين الجبهة الداخلية أولوية قصوى. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر مؤسسات قوية، قائمة على الشفافية والمساءلة، واحترام حقوق الإنسان، وتكريس مبدأ المساواة أمام القانون دون تمييز أو انتقائية.

إن مواجهة الفساد ليست معركة ظرفية، بل خيار استراتيجي يتطلب إرادة سياسية واضحة، وأدوات قانونية فعالة، وأجهزة رقابية مستقلة، وقضاءً نزيهاً لا يخضع لأي تأثير. كما تستدعي وضع وتنفيذ استراتيجية وطنية متكاملة للوقاية من الفساد، تقوم على الحكامة الجيدة، والرقمنة، وتبسيط المساطر، وحماية المبلغين، وتعزيز دور المجتمع المدني والإعلام في الرقابة والتتبع.

فالفساد، حين يستشري، لا يهدر المال العام فحسب، بل يهزم الحلم الجماعي ويقوض الثقة في المستقبل. لذلك فإن ترسيخ دولة الحق والقانون، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على جميع المستويات، يظل المدخل الأساس لبناء مغرب قوي بمؤسساته، واثق في عدالته، ومؤمن بأن لا أحد فوق القانون.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.