
نزع “ألغام الدلاح” بطاطا: خطوة أمل نحو عدالة أرضية وتنمية رحيمة
مع إشراقة السنة الفلاحية الجديدة، واحتفالنا بإيض يناير بما يحمله من رمزية الأرض والخصب والاستدامة، يطلّ خبر سارّ على أنصار البيئة والمدافعين عن الجغرافيات الهشّة بالمغرب: نزع ما بات يُعرف بـ“ألغام الدلاح” التي زرعتها جهات نافذة في صحراء إقليم طاطا، في خطوة طال انتظارها واشتدت الحاجة إليها.
هذا التدخل، الذي تم صباح اليوم، لا يمكن اختزاله في إجراء تقني معزول، بل ينبغي قراءته كإشارة سياسية وأخلاقية ذات دلالة عميقة. فهذه “الألغام” لم تكن سوى تجسيد لاقتصاد ريعي مفترس، استنزف الفرشات المائية، وضيّق الخناق على الساكنة المحلية، وكرّس منطق الاستحواذ غير المشروع على الأراضي باسم الاستثمار الفلاحي، دون اعتبار لقدرة المجال أو حقوق الإنسان في الماء والأرض.
إن نزع هذه الألغام يفتح نافذة أمل حقيقية لتمكين الساكنة من الولوج العادل إلى أراضيها، واستعادة شروط العيش الكريم، ودعم مبادرات محلية قادرة على خلق ثروة رحيمة بالإنسان ورفيقة بالطبيعة. تنمية تُصغي لنداء الصحراء ولا تفرض عليها نماذج زراعية دخيلة، تستهلك أكثر مما تُنتج، وتُدمّر أكثر مما تُصلح.
غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تظل غير كافية ما لم تُستكمل بمحاسبة قضائية صارمة للصوص الأراضي، ومافيا الثقوب المائية، والشبكات المتخصصة في نهب مليارات الدعم العمومي، كما كشفت عنه مؤخراً ملفات دعم بعض السلاسل الفلاحية. فبدون ربط المسؤولية بالمحاسبة، سيظل النزيف قائماً، ولو بأشكال جديدة.
إن فتح باب التعافي الحقيقي يمرّ عبر تفكيك منظومات الريع، وإعادة توجيه السياسات العمومية نحو ما ينفع الناس، ويصون الموارد، ويُعيد الاعتبار لعدالة مجالية طال إهمالها. فالأرض ليست سلعة، والماء ليس غنيمة، والتنمية ليست سباقاً للاغتناء السريع على حساب الأجيال القادمة.
شكراً لأصحاب النيات الحسنة، لكل من ساهم في وقف هذا النزيف، ولكل من آمن بأن حماية الجغرافيات الهشّة ليست ترفاً بيئياً، بل شرطاً لبقاء الإنسان نفسه. ومع بداية سنة فلاحية جديدة، لا يسعنا إلا أن نجدد الدعاء والأمل.