
تقام المواسم إلا بجوار الأضرحة التي يتبرك بها من طرف العامة ويعتقدون فيها الخير الكثير، يلجأ إليها المرضى بغرض الاستشفاء من أسقام الجن والإنس الظاهرية منها والباطنية، والأصحاء من أجل التماس سعة الرزق والتوفيق في الدنيا والآخرة..[1] يستغرق التجمع في الموسم بصفة رسمية يومين متتاليين، الأربعاء والخميس ويختم يوم الجمعة برفع الدعاء بحضور الطلبة والفقهاء.[2]..
تجري معظم المواسم السوسية صيفا وغالبا ما تنعقد يوم الخميس من الأسبوع، حتى أن نشرة الأخبار في الإذاعة الجهوية باكادير، تطغى عليها أخبار المواسم الدينية.. تحدد تواريخ المواسم وفق التقويم الامازيغي –الفلاحي- الـﺫي يتأخر عن التقويم الميلادي ب13 يوما، كما هو الحال بالنسبة لموسم للا تعلات، الـﺫي ينعقد في الخميس الأول من مارس الفلاحي.
اليوم، الخميس 15 غشت الجاري، يفتتح رسميا الموسم السنوي لسيدي وساي بإقليم أشتوكن آيت باها، الـﺫي ينطلق في الخميس الثاني من شهر غشت، بعد موسم سيدي بابا المصلوحي المعروف لدى العامة ب “سيدي بيبي” في الخميس الأول من غشت.. في السنوات الأخيرة، أضحى “انموكار” سيدي وساي، ينعقد قبل عدة أسابيع من موعده الرسمي، حيث يعج المكان بحركة دؤوبة ليلا ونهارا، من انطلاق فصل الاصطياف في بداية يونيو الى غاية نهايته في منتهى شهر شتنبر..
رغم أن الشريط الساحلي لإقليم اشتوكة ايت باها، يضم عدة شواطئ صالحة للسباحة والاصطياف، فإن الشتوكيون لا يزدحمون سوى على شاطئ وحيد: سيدي وساي.. في هـﺫا الشاطئ الرملي، تلتقي القبائل الشتوكية سهلا وجبلا، كل صيف لقضاء قسط من الراحة والعطلة والتبرك ببركة القطب الصوفي المدفون بها.. مثلما يتجمع جيرانهم التزنيتيون في شاطئ سيدي موسى والصحراويون بشاطئ سيدي محمد بن عبد الله… هناك يجدون ضالته كل صيف، فأسعار الكراء في المتناول وليست باهظة مثل مدن الشمال، والطقس رطب ومضبب في غالب الأوقات، يقضون عطلتهم ببساطة وتواضع، لانهم يفضلون الاصطياف بشكل عائلي، لا يسافرون بشكل فردي كأسر نووية مثل الموظفين، بل بشكل جماعي يشمل العائلات الممتدة بما في دلك الأجداد والجدات والحواشي.. لو خيرت الشتوكي الحقيقي بين مسبح فخم مجهز بشلالات التزحلق les toboggans لاختار شاطئ سيدي وساي بدون تردد، هل يعزى ﺫلك الى كون الشاطئ الماسي يعج بالرمال اللامعة مثل جزيرة، رمال مائلة نحو البياض، رغم أن جودتها ليست مثالية، لأنها ممزوجة بالتراب الأبيض، الـﺫي يترك أثرا واضحا على الأقدام..
لا أدري لماﺫا يحتشد الشتوكيون في شاطئ واحد، عوض أن تتفرق ريحهم على باقي الشواطئ العذراء، وبعضها لا يملئه سوى هواة الصيد بالقصبة مثل الدويرة؟.. أم الى بركة الولي الصالح سيدي وساي، الـﺫي اعتزل بالمكان قديما للتعبد والمناجاة، قبل أن يزحف البناء المنظم منه وغير المنظم ويلتف حول الضريح، من الجهات الثلاث باستثناء الجهة الغربية، التي تطل على المحيط الأطلسي عبر حافة حادة.. البركة موجودة في كل الاضرحة المتناثرة على ساحل سهل اشتوكة الممتد من وادي سوس الى وادي ماسة –والغاس سابقا، أضرحة معزولة تعلوها قبب بيضاء وملونة، لـﺫلك لا تعرف شواطئ المنطقة سوى بأسماء الأضرحة.. حسب كتاب “التشوف”، فقد ظل جنوب المغرب مركز الثقل الرئيس لنشاط الصوفية، بما وجد فيه من رباطات عريقة استمرت في أداء وظيفتها الدينية والعلمية، لـﺫلك برزت البادية في كتب المناقب.[3].” وفق الاحصائيات الرسمية، تعد جهة سوس ماسة الأولى وطنيا من حيث عدد الزوايا والأضرحة بـ1155 زاوية وضريحًا، “أرض جزولة وأرض دوكالة تنبت الأولياء كما تنبت الأرض البقول” كما ﺫكر ابوزيد التمنارتي في “فوائده الجمة”.
جرت مياه كثيرة تحت جسر وادي ماسة، ولم تعد الأماكن التي استقر فيها المتصوفة منعزلة كما كانت قديما، حيث فكت عنها العزلة وصارت مزدحمة بكم غفير من الناس القادمين من كل فج عميق، منهم من جاء للسباحة ومن جاء للتسوق ومن جاء للصيد بالقصبة ومن جاء للصيد بدون قصبة ومن جاء لقضاء مآرب أخرى.. وطبعا النساء يشكلن غالبية زوار الأضرحة الساحلية منها أو الجبلية، ويرجح أن تكون عادة سوسية قديمة، دليلنا في ﺫلك أغنية عتيقة من التراث السوسي، تتناقلها الأجيال المتعاقبة شفويا من الفم الى الأﺫن، وتنسب الى شاعرة حاحية عاشت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتعرف بلقب “تراخوت”، فقدت شربيلها بشاطئ سيدي وساي، وخلدت الواقعة في قصيدة طويلة سبق أن غناها عزيز الشامخ وأعادتها فرق غنائية أخرى مثل اودادن..
رغم التغيرات الديموغرافية والاجتماعية التي شهدها سهل أشتوكن مؤخرا، بتوافد الآلاف اليد العاملة للاشتغال في الضيعات الفلاحية، لم يتخلى الشتوكيون عن طباعهم الموروثة وعاداتهم الأصيلة ومنها الاصطياف بشاطئ سيدي وساي. يمكن أن تهاجر الى بلاد اشتوكة وتقتني أرضا وتبني بيتا، لكن لن تتغير مكانتك في التنظيم الاجتماعي، ولن تتجاوز خانة “امزداغ” (المقيم) وبالتالي لن تتساوى يوما مع “أو تمزيرت” أو تحلم كي تصبح ممثلا للسكان في المجالس المنتخبة بل حتى في الجمعيات الوازنة كتلك التي تسير خدمة الماء الصالح للشرب.. أكثر من ﺫلك توجد قرى شتوكية لا يبيع أهلها أراضيهم للغرباء مثل توزايكو، الـﺫين يتشبثون بأملاكهم أبا عن جد، ولا يعرضونها للبيع ولو ساومتهم بمال قارون.. المغني الراحل سعيد أشتوك كان صادقا، لما مدح خصالهم ﺫات يوم.