
رحلة علم لا يعترف بالعمر… الدكتور صدقي السعيد نموذج للإرادة والمعرفة
في زمن يعتقد فيه كثيرون أن قطار العلم قد يفوتهم مع مرور السنوات، يثبت الدكتور صدقي السعيد أن المعرفة لا ترتبط بعمر، وأن الشغف الحقيقي قادر على اختراق كل الحواجز وصناعة قصص نجاح ملهمة.
فبعد انقطاع دام ثلاثين عامًا عن الدراسة، عاد الدكتور صدقي السعيد إلى مدرجات الجامعة بعزيمة لا تلين، ليخوض رحلة أكاديمية استثنائية تُوّجت بحصوله على شهادة الدكتوراه عن أطروحته الموسومة بـ “الإعلام الأمريكي وصناعة الخوف من الإرهاب: مقاربة سوسيولوجية”. وقد شكل هذا الإنجاز تتويجًا لمسار من المثابرة والإصرار، ورسالة واضحة مفادها أن الإرادة الصادقة أقوى من الزمن، وأن التعلم رحلة لا تتوقف عند سن أو مرحلة معينة.
ولم يكن هذا التتويج العلمي سوى بداية لمسار بحثي ثري، أثمر مجموعة من المؤلفات التي تعالج قضايا اجتماعية وإعلامية ونفسية معاصرة، من أبرزها كتاب “الإعلام المغربي وصناعة الخوف”، الذي يحلل الآليات التي تعتمدها وسائل الإعلام في إنتاج الإحساس بالخطر وإعادة تشكيل إدراك الجمهور للواقع.
كما وسّع دائرة اهتمامه في كتابه “السينما الأمريكية وصناعة الخوف من الإرهاب”، حيث انتقل من تحليل الخطاب الإعلامي إلى تفكيك الخطاب السينمائي، كاشفًا عن الدور الذي تؤديه السينما في تشكيل الصور النمطية وصناعة المخاوف الجماعية.
وفي سياق جائحة كورونا، أصدر كتاب “كورونا والعيش في زمن اللايقين”، الذي تناول فيه التمثلات الاجتماعية والبناء الديني للوباء، مسلطًا الضوء على التحولات النفسية والاجتماعية التي صاحبت مرحلة اتسمت بانتشار القلق وتراجع اليقين.
كما ساهم في المؤلف الجماعي “الوباء في المدينة”، الذي يقدم مقاربة متعددة التخصصات لفهم تأثير الأزمات الصحية في الفضاء الحضري والعلاقات الاجتماعية، وما تفرزه من تحولات عميقة في أنماط العيش والتفاعل الإنساني.
وإلى جانب هذه المؤلفات، راكم الدكتور صدقي السعيد رصيدًا وافرًا من المقالات العلمية المحكمة، التي تعكس عمق اهتمامه بقضايا الإعلام والمجتمع والتحولات الثقافية، وتؤكد حضوره الأكاديمي المتميز في مجال البحث العلمي.
إن تجربة الدكتور صدقي السعيد ليست مجرد نجاح شخصي، بل هي درس في الصبر والإرادة، ورسالة أمل لكل من يعتقد أن الوقت قد فات. إنها قصة تؤكد أن الشغف بالعلم لا تحده السنوات، وأن الإيمان بالقدرة على التعلم والتطور هو السبيل الحقيقي لصناعة التميز وترك الأثر.
فهنيئًا للدكتور صدقي السعيد بهذا المسار العلمي المشرق، ومتمنياتنا له بمزيد من العطاء والتألق في خدمة المعرفة والبحث العلمي.