
محمد بن الحسين أزكاك.. ذاكرة تربوية خالدة ووداع يليق برجل من رجالات التعليم بتيزنيت
بقلم ذ أحمد بومزكَو
يعد مسار الأستاذ محمد بن الحسين أزكاك تجسيداً حيا لذاكرة التربية والتعليم بمدينة تيزنيت، وهو المسار الذي انطلق من رحم منطقة إفران الأطلس الصغير حيث ولد سنة 1934م، في أسرة متواضعة. شكلت مدرسة للا مريم (المدرسة الإسلامية للذكور سابقا) نقطة تحول في حياته، إذ فيها نال شهادته الابتدائية سنة 1950م، وإليها عاد مدرسا ومربيا في مرحلة نضجه المهني بين سنتي 1966 و1974.
وقد مر عطاؤه التربوي بين فضاءات قروية بسيطة، بدأ بتعيينه الأول بدوار أمراغ أكلو سنة 1950، حيث قضى ست سنوات في التدريس، قبل أن ينتقل إلى أركَانة سنة 1956، ثم إلى المعدر بين 1957 و1959، وهي محطات شكلت جزءًا من مسار التكوين العملي لمعلم ناشئ يواجه تحديات البدايات. ابتداء من الموسم الدراسي1959-1960، درس بمدرسة مولاي رشيد بتيزنيت إلى غاية 1966، وهي مرحلة اتسمت بالانفتاح على الوسط الحضري وتنامي خبراته التربوية. أما المحطة الأبرز فكانت عودته إلى مدرسة للا مريم بتيزنيت بين 1966 و1974، حيث بلغ نضجه المهني، وارتبط اسمه بمبادرات الدعم المجاني لتلاميذ الشهادة الابتدائية، مما جعل حضوره يتجاوز حدود القسم ليصبح جزءًا من الذاكرة التعليمية الجماعية للمدينة. هكذا يتضح أن مساره المهني الطويل لم يكن مجرد تنقل وظيفي بين المؤسسات، بل كان سيرورة تراكمية صاغت شخصية تربوية نشيطة، جمعت بين التجربة القروية والحضرية، وبين التعليم النظامي والمبادرات التضامنية.
ابتداء من سنة 1974، التحق بنيابة التعليم بتيزنيت، حيث بصم على تجربة إدارية رصينة بمكتب الامتحانات، امتدت حتى إحالته على التقاعد سنة 1995، متوجا بذلك أربعة عقود من البذل السخي في الحقلين التربوي والإداري. وتأسيسا على ما سبق ، لم تكن شخصية المرحوم حبيسة الجدران الوظيفية، بل كان استاذا مبادرا وفاعلا مدنيا بامتياز، استثمر وعيه الوطني في الانخراط الفاعل ضمن الديناميات السياسية والاجتماعية لبلاده من خلال “حزب الاستقلال”؛ حيث زاوج بين العمل التنظيمي والإشعاع الإعلامي بصفته مراسلا لجريدة “الكشاف”، فضلا عن قيادته الحكيمة لفرع الكشفية الحسنية بتيزنيت، وهي المهام التي جسدت إيمانه الراسخ بأهمية التأطير التربوي للناشئة خارج أسوار المدرسة.
إن سيرة الأستاذ محمد بن الحسين أزكاك تختزل مسار جيل من المربين الذين جعلوا من التعليم رسالة اجتماعية ووطنية، حيث جسد قيم التضحية والتفاني في خدمة الناشئة. واقتران اسمه بذاكرة “للا مريم” وبمكاتب النيابة الاقليمية للتربية الوطنية، وبساحات العمل الكشفي، يرسخ صورته كمنارة تربوية ألهمت الأجيال الصاعدة معاني الإخلاص في العمل، والتفاني في خدمة الصالح العام، والانخراط المدني الملتزم. رحم الله الفقيد الذي وافته المنية يوم 28دجنبر 2025، وجعل ما قدمه من عطاء في ميزان حسناته، وألهم ذويه الصبر والسلوان.