
بقلم مولاي مصطفى النقراوي
“ليست كل معارك التحرير قد دارت في الجبال أو ساحات المواجهة، فبعضها كُتب في الأزقة الضيقة، وفي المخابز، وبين المحطات، حيث كانت تُنسج خيوط النصر بعيدًا عن أعين المستعمر.”
العرائش… المدينة التي صنعت الجسر بين احتلالين
حين يُستعرض تاريخ المقاومة المغربية ضد الاستعمار، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى المعارك العسكرية الكبرى والعمليات الفدائية التي خلدتها كتب التاريخ. غير أن هذا التاريخ يخفي وراءه مدنًا أدت أدوارًا استراتيجية حاسمة، لم تكن ساحات للقتال بقدر ما كانت مراكز للربط والتنسيق والإمداد. وتأتي مدينة العرائش في مقدمة هذه المدن.
فبفضل موقعها الجغرافي على الساحل الأطلسي، داخل المنطقة الخاضعة للحماية الإسبانية، تحولت العرائش إلى بوابة طبيعية نحو المغرب الخاضع للحماية الفرنسية. وبين سلطتين استعماريتين، أصبحت المدينة فضاءً استثنائيًا لحركة الوطنيين، ونقطة التقاء لشبكات المقاومة، وممرًا لنقل الرجال والسلاح والمعلومات.
ولم يكن هذا الدور نتيجة ظرف عابر، بل فرضته الجغرافيا، وعززته البنية الاقتصادية للمدينة، وعلاقاتها التجارية الممتدة بين شمال المغرب وجنوبه. فقد كانت العرائش، بمينائها وسككها الحديدية وأسواقها، واحدة من أهم العقد اللوجستية التي اعتمدت عليها الحركة الوطنية خلال سنوات الكفاح من أجل الاستقلال.
حين سقطت الحدود الجهوية… ووُلدت وحدة الوطن
تكشف ذاكرة العرائش عن حقيقة كثيرًا ما تغيب عن السرديات التقليدية، وهي أن معركة الاستقلال لم تكن معركة منطقة ضد أخرى، وإنما كانت مشروعًا وطنيًا شارك فيه المغاربة جميعًا.
في هذه المدينة، التقى أبناء الريف وجبالة بسوس والغرب وفاس ومراكش والصحراء، واختلط التاجر بالمقاوم، والفقيه بالحرفي، والعامل بالمثقف، لتتشكل جبهة وطنية واحدة لم يكن يجمعها سوى هدف واحد: تحرير الوطن.
ولعب التجار السوسيون دورًا بارزًا في هذه الملحمة. فقد كانوا من أوائل من استقروا بالعرائش ومدن الشمال، وأسهموا في تنشيط الحركة التجارية، لكن مساهمتهم تجاوزت الاقتصاد إلى العمل الوطني، إذ تحولت متاجرهم وخاناتهم ومستودعاتهم إلى فضاءات لاستقبال المقاومين وإخفائهم وتأمين تنقلهم، وتبادل الأخبار، وتوفير الدعم اللوجستي.
كما كان لأبناء جبالة والريف دور مكمل، بحكم معرفتهم الدقيقة بالمسالك والطرق، فالتقت خبرة الجنوب التجارية مع معرفة الشمال الجغرافية، لتنشأ شبكة مقاومة وطنية عابرة للجهات والقبائل. فلم يكن المغربي يسأل أخاه عن أصله أو قبيلته، بل عن المهمة التي جاء من أجلها.
وكان هذا التلاحم تجسيدًا عمليًا للحديث النبوي الشريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.”
فرن “كليطو”… حين تحول المخبز إلى خلية للمقاومة
من بين الأماكن التي تختزن ذاكرة العرائش، يبرز فرن “كليطو” باعتباره أحد الشهود الصامتين على تاريخ المقاومة المغربية. يقع الفرن بشارع الجيش الملكي، داخل الحي الذي كان يُعرف في بدايات القرن العشرين باسم “كليطو”، قبل أن يُعرف لاحقًا باسم الحي الجديد.
وتشير الروايات المحلية إلى أن الفرن افتُتح حوالي سنة 1920 على يد أحد الإسبان، وشُيد وفق الطراز التقليدي السائد آنذاك، بسقف من القرميد، قبل أن يقتنيه لاحقًا المقاوم الحاج فضول، الذي حوله، دون أن يفقد وظيفته الاقتصادية، إلى فضاء يخدم قضية الوطن.
وكان الفرن من أكبر أفران المدينة وأكثرها تطورًا في زمانه، إذ ضم آلة ضخمة للعجن تبلغ طاقتها حوالي 500 كيلوغرام من الدقيق في الدورة الواحدة، إضافة إلى آلة مخصصة لدلك العجين، كانت تصدر صوتًا قويًا يُسمع في مختلف أرجاء الحي، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرته اليومية.
وكان الخبز يوزع على مختلف أحياء العرائش بواسطة الدواب والعربات التقليدية، بينما كانت كل قطعة تحمل طابعًا خاصًا بفرن “كليطو”، يميزها عن غيرها، ويمكن مراقبي الأسواق من التحقق من مصدرها وضبط وزنها عند نقاط البيع، في نظام يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم المهني في تلك الفترة.
غير أن ما منح هذا الفرن مكانته التاريخية لم يكن نشاطه الاقتصادي، بل الدور الوطني الذي أداه في الخفاء.
فوفق شهادات متواترة من أبناء الحي، تحول الفرن إلى محطة استقبال للمقاومين القادمين سرًا من المنطقة الخاضعة للحماية الفرنسية. وكان الوافدون يوزعون على البيوت المجاورة، بحيث تستقبل كل أسرة مجموعة محددة، حفاظًا على السرية وعدم إثارة انتباه سلطات الاحتلال.
وبعد تأمين إقامتهم المؤقتة، كانت تُرتب عملية نقلهم نحو وجهاتهم بواسطة القطار، بعد الالتفاف على نقاط المراقبة الإسبانية والفرنسية، مستفيدين من شبكة واسعة من المتعاونين والوطنيين الذين تكفلوا بإتمام هذه العمليات في سرية تامة.
كما ارتبط المكان بعمليات تمرير الرسائل والأسلحة والوثائق، مما جعله إحدى الحلقات الأساسية في شبكة المقاومة الوطنية.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذه المرحلة المقاوم عبد العزيز الماسي، إلى جانب الحاج فضول، والحاج الباعراني فارس، وعسو، وغيرهم من الرجال الذين فضلوا العمل في الظل، لكنهم تركوا بصمة خالدة في تاريخ التحرير.
الاعتراف… حين خلدت المدينة رجالها
لم تكن رمزية هذا المكان غائبة عن قادة الحركة الوطنية. فقد اختار الزعيمان علال الفاسي وعبد الخالق الطريس الوقوف أمام فرن “كليطو” لإلقاء خطابين وطنيين أثناء زيارتهما للعرائش، في رسالة تحمل أكثر من دلالة؛ فقد كان ذلك اعترافًا صريحًا بالدور الذي لعبه هذا الفضاء وأهله في دعم المقاومة المغربية.
وما يزال إلى اليوم أحد الممرات المتفرعة عن شارع الجيش الملكي يحمل اسم المقاوم عبد العزيز الماسي، تخليدًا لذكرى أحد رجالات المقاومة. ويضم هذا الممر إحدى أقدم المؤسسات التعليمية بمدينة العرائش، التي تخرج منها أطباء وضباط وأساتذة جامعيون وأطر سامية، كما تلقى بها الأديب المغربي محمد شكري جزءًا من تعليمه.
ويحتضن كذلك مسجد الحي الجديد، والزاوية التجانية التي شيدتها أسرة إين واكريم القادمة من أداي بتافراوت، في صورة تعكس عمق الامتداد التاريخي والثقافي بين شمال المغرب وجنوبه.
أما اسم “كليطو”، فيرجح أنه مشتق من أشجار الكاليتوس التي غرسها الإسبان خلال العقود الأولى من القرن العشرين بغابة اللوكوس، والتي كانت تشكل الرئة الطبيعية للمدينة، قبل أن يصبح الاسم جزءًا من ذاكرة الحي وسكانه.
من ذاكرة المكان إلى ذاكرة الوطن
إن تاريخ الاستقلال لا تحفظه الوثائق الرسمية وحدها، بل تحفظه أيضًا الأماكن التي احتضنت المقاومين، والمخابز التي أخفت أسرارهم، والمنازل التي فتحت أبوابها لهم، والمدارس التي خرجت أجيال ما بعد الاستقلال.
وفرن “كليطو” ليس مجرد مبنى قديم، بل معلمة وطنية تختزل جانبًا مهمًا من تاريخ المقاومة المغربية، وتستحق أن تُدرج ضمن مسارات الذاكرة الوطنية، وأن توثق قصتها بالأرشيف والشهادات والصور، قبل أن يطويها النسيان.
لقد آن الأوان لإطلاق مشروع علمي لتوثيق ذاكرة المقاومة بمدينة العرائش، يجمع بين الأرشيفين المغربي والإسباني، والشهادات الشفوية، والوثائق الخاصة، والخرائط والصور التاريخية، حتى تستعيد المدينة مكانتها المستحقة في تاريخ الكفاح الوطني.
فالعرائش لم تكن مجرد مدينة ساحلية على الأطلسي، بل كانت جسرًا بين منطقتي الاحتلال، ومحطة لعبور الرجال والأفكار والسلاح، وواحدة من أهم حلقات شبكة المقاومة المغربية.
إنها مدينة صنعت التاريخ بصمت، وما تزال أزقتها، ومدارسها، ومساجدها، ومخابزها القديمة تهمس بقصص رجال ونساء آمنوا بأن حرية الوطن تستحق كل تضحية. ومن واجب الأجيال اليوم أن تنقل تلك الشذرات من الذاكرة إلى صفحات التاريخ الموثق، حتى تبقى حية في الوجدان الوطني.