
حاتم بشارة : حين تلتقي الرصاصة بالوتر، ظهور كاريزمي لسهى بشارة
استوقفني المنظر الكاريزمي للمناضلة … (سهى بشارة)، التي ظهرت قبل أيام إلى جانب المناضل جورج عبد الله، لتعود وتطل اليوم في جنازة الفنان زياد الرحباني. لم يكن ظهورها عاديا، بل بدا كلحنٍ قديمٍ يتردد في فضاء المقاومة الصادقة، تلك التي لا يطويها الزمن، ولا تُغريها سطوة المال السياسي أو تحولات المرحلة.
سهى التي انضمت إلى “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” التابعة للحزب الشيوعي اللبناني، و أطلقت ذات يوم من عام 1988 وهي بنت العشرين الرصاص على الخائن أنطوان لحد، قائد “جيش لبنان الجنوبي” العميل لإسرائيل، و أصابت صدره وذراعه، لكنه نجا من الموت تحت شعار ( العار لا يموت).
قضت سهى عشر سنوات كاملة في السجن، منها حوالي ست سنوات في زنزانة انفرادية، وتعرضت خلالها لأشد أنواع التعذيب الجسدي والنفسي. ظهورها اليوم في وداع زياد الرحباني لم يكن حضورا عرضياً، بل رمزاً للصمود الذي يأبى الانكسار.
لقد غير الزمن ملامح سهى، لكن ملامح الروح بقيت كما هي، جبهة مرفوعة، ونظرة ما برحت تحمل صلابة الأيام الأولى. لم تُطفئ السنين شرارة التحدي في عينيها، ولم تنل الزنازين من إرادتها.
في صورة التشييع، تقف سهى بثيابها البيضاء، تحمل وردة حمراء وتُلقي بنظرة صامتة كثيفة، نظرة امرأة اختبرت وجع الانتظار في العزل، وظلت تقبض على المعنى. وجهها لا يبتسم ولا يبكي، بل يحمل شيئاً أعمق، ربما مزيجاً من التعب النبيل والوفاء القديم.
هذا الظهور اللافت لسهى بشارة في وداع زياد لا يمكن قراءته كحدث عابر، بل هو إشارة قوية إلى عمق العلاقة التي جمعتها بزياد، تماماً كما تربطها رفقة نضالية متينة بالمناضل جورج عبد الله. فثلاثتهم ينتمون إلى نفس التربة الفكرية والسياسية، إلى التيار اليساري المقاوم الذي رفض أن يهادن، أو يبرر، أو يصافح الخيانة مهما تغيرت المعادلات.
إنه التيار الذي حمل السلاح يوماً دفاعاً عن العدالة، ووقف إلى جانب فلسطين من دون مساومة. وإن بدا أن الزمن والظروف قد غيبته، بفعل صعود الطائفيين والخونة إلى السلطة، فإنه سيظل يشكل البقعة البيضاء الأكثر نقاءً في ذاكرة الحركات اليسارية العربية. تيارٌ لم يمت، بل ينتظر جذوة جديدة.
ظهور السيدة بشارة جاء كأنه تجسيد حي للثبات. اثنان جمعتهما المقاومة، وإن تفرقت السُبل: زياد قاوم بالوتر، وسهى قاومت بالرصاص. كلاهما واجه خيانة الداخل وضغوط الخارج، وترك أثره في الوعي الجمعي العربي.